عند قراءة مصطلح "سينما نضالية" فأول ما يخطر بالأذهان هو سينما معنية بالنضال السياسي. حسنًا، لا يعد الأمر مغالطة كبيرة، وليس نابعًا من صورة ذهنية معينة قائمة في جوهرها على الربط بين كلمتي "نضال" و "سياسة".
الأمر بدأ ببيان الأرجنتينيان فرناندو سولاناس وأكتافيو جيتينو "نحو سينما ثالثة" وهو البيان الصادر عام 1969 وفيه صك واضح لملامح ما سيعرف ب "السينما الثالثة". قبل البيان بعام كان قد صدر فيلم سولاناس وجيتينو "ساعة الأفران" وهو الفيلم الذي يتفق مع الملامح المصكوكة في البيان بشكل مثالي. لكن هل كان البيان هو البداية لسينما لم تكن موجودة وقائمة بالفعل؟ الإجابة لا بالطبع. فكل حركة سينمائية سابقة قبل البيان نراها تتفق اتفاقًا ضمنيًا مع قواعده، حتى في تلك البلاد التي لا تنتمي لل "العالم الثالث". أشهرها إيطاليا بالطبع، فلقد قدمت بعد الحرب العالمية الثانية الموجة الواقعية الإيطالية، وهي التي تبعت الحرب مباشرة، أي قبل البيان بحوالي خمسة وعشرين سنة!. ربما لهذا نجد نصًا واضحًا في البيان يشير إلى أن "السينما الثالثة" ليست بالضرورة هي سينما العالم الثالث، بل هي كل خطاب سينمائي متمرد يندد ويناهض الظلم والاستعمار وبه نزعة يسارية واضحة.
تبعًا لذلك نرى التزامًا سابقًا – بشكل لا واعي – بما صكه البيان- في مناطق ودول عديدة لا يجمعها سوى كونها تعرضت لكل من الاستعمار والاستبداد، نرى ذلك في سينما نوفو \ البرازيل، الحركة الموازية في الهند، الواقعية الإيرانية في بداية الستينيات، ما يطلق عليه الواقعية المصرية بعد ثورة 52، سينما غرب أفريقيا بعد عام الاستقلال (1960). كلها سينما ترتبط جوهريًا ووجدانيًا بما سيعرف فيما بعد بالسينما الثالثة. يشير ذلك إلى أن النظرية في السينما غالبًا ما اتبعت التطبيق وليس العكس، إلا في حالات نادرة، مثلما نرى على سبيل المثال لا الحصر في الموجة الفرنسية الجديدة، الدوجما فيما بعد، الموجة الرومانية الحديثة.
من خلال ما سبق نجد ارتباطًا وثيقًا بين ما عرف بسينما "نضالية" وما هو سياسي بالتبعية. لكن – وفي سياق فن السينما- هل من الحكمة اختزال النضال في ما هو أيدولوجي فقط؟
بالرجوع لمصطلح "نضال" فهو فعل يستند في جوهره على الوقوف في مقابل كل ماهو مؤسساتي ومتحفظ، الفرد مقابل الجماعة، الجماعة مقابل المؤسسة، القلة مقابل الكثرة. وهو فعل متمرد لأنه غالبًا يقف على الجانب الآخر من كل ماهو منظم، مدروس، معروف سلفًا.
بالتالي – وفي سياق السينما فإن نضال لا يجب اقتصارها على النضال السياسي، إنما هي كل فعل، حركة يفكك المنظومة المتفق عليها من قبل الجمع، سواء كانت جمالية، سردية، مؤسساتية (الاستديو). بالتالي فكل نضالي هو مستقل بالضرورة، طليعي للوهلة الأولى.
وبالعودة لتاريخ السينما – تحديدًا في بداياتها نلمس ببساطة ووضوح شديدين طرق مختلفة للنضال، تشير بدورها إلى أن النضال في سياق السينما لم يكن أبدًا مقتصرًا على كل ماهو سياسي فقط، بل هو نضال عام، لدرجة أنه يقف ضد السينما نفسها، تحديدًا السينما الكسولة، النظامية. بالتالي فلقد شهدت السينما صورًا عديدة للنضال، نضال ضد الاستديو، ضد السرد والجماليات، ضد الجماعة والنظرية والقواعد في كل مرة.
شابلن واللعب خارج نظام الاستديو
في بداياتها كانت السينما عبارة عن صناعة احتكارية بالكامل، مقتصرة على مجموعة من الأشخاص وهم من يملكون الكاميرات، أديسون، الأخوان سكلادانوفسكي، الأخوان لوميير، بعد ذلك تطورت ليتبلور نظام الاستديو ويقتصر في بداياته على مجموعة من الاستديوهات \ الشركات الكبرى التي تحتكر الصناعة، وهي " Paramount, MGM, Warner Bros, 20TH Century Fox, RKO". بدأ شارلي شابلن عام 1914 بالتمثيل مع المخرج ماك سينيت، والذي كان تابعًا لاستديوهات "Key stone" لم يكن شابلن حرًا كفاية رغم ظهوره بشخصية الصعلوك الشهيرة في أفلام سينيت، لكنها كانت غالبها على وتيرة السينما في ذلك الوقت، باختصار، أفلام مطاردات، المطاردات كغاية في ذاتها.
انتقل بعدها شابلن لأكثر من استديو وشركة إنتاج مع مساحات حرية أكبر في كل مرة ليتجلى دوره وفكره أكبر حين شراكته مع ديفيد وارك جريفيث وآخرين في " United Artist" عام 1919 والتي كانت بمثابة شركة إنتاج خاصة، مستقلة وحرة بشكل كامل، حيث يصبح المبدع هو مالك إبداعه كاملًا غير منتميًا لجهة ما تفرض عليه قيودًا من ناحية الإنتاج أو التوزيع، ليصنع شابلن تحفًا سينمائية خالصة من بعدها، ما زالت عالقة في الأذهان. لذلك يعد شابلن هو أول فنان فردي مستقل ( Auteur ) بالمعنى الكامل للكلمة، حيث لا يتحكم في رؤيته وخطابه أحد غيره، بذلك تحرر شابلن من نظام الاستديو وصنع سينما خاصة لا تشبه أحد سواه.
كلب أندلسي وتمرد راديكالي على السرد الخطي
في بداياتها مالت السينما للتوثيق أكثر، كُسر ذلك مع جورج ميليه، تبعه بورتر، تبعهم جريفيث الذي ينسب له الفضل في صك قواعد وأسس السينما الروائية، رأي آخر وهو الأكثر إنصافًا دومًا وخارج السردية الشائعة قاله المؤرخ السينمائي جورج سادول، والذي رأى بأن السينما الروائية لم تظهر مع جريفيث، بل بدأت مع المخرجة الفرنسية "أليس جاي بلاشيه" متمثلًا ذلك في فيلمها " La Fee aux choux" الصادر عام 1896. في نظري لا يعد الاتجاه للشكل الروائي تمردًا أو نضالًا لأنه كان أقرب للاكتشاف أكثر. التمرد الحقيقي على السرد الفيلمي يتفق أكثر مع ما فعله مان راي، رينيه كلير، وهانز ريتشر في العشرينيات، حيث نرى السينما تتأثر بغيرها من الفنون، متأثرة بحركات مثل الدادئية والتجريدية. من هنا يمكن ملاحظة نبوغ فن السينما قدرته على التأثر والتجدد والتطور المستمر، حيث يمكن القلب الكامل للقواعد المصكوكة سلفًا وبشكل لحظي مما يجعل السينما فضاءً لا متناه من الدلالات والاستعارات والصور. يتضح ذلك أكثر بعد تلك التجارب بسنوات قليلة، حين يصدر فيلم "كلب أندلسي" للوي بونويل عام 1929 بالاشتراك مع سلفادور دالي. وبغض النظر عن منجزات بونويل فيما بعد كمخرج \ مؤسس للسريالية السينمائية، تبعه كوكتو فورًا ومئات الفنانين فيما بعد. فإن كلب أندلسي بمقاييس زمنه هو فيلم ثوري تمامًا، كل لقطة في الفيلم هي بمثابة دال له مدلول خاص، مستقل، دونًا عن غيرها من لقطات الفيلم الأخرى، حتى اللقطى نفسها في حيز الفيلم بتكرارها فهي تشير إلى معنى آخر، لتتجلى منظومة كلية لا تتبع مسارًا أو خطًا أو معنًا أو واحدة، وإنما "فيض" من الدلالات والاستعارات والصور لا يمكن حصرها، لهذا يعد كلب أندلسي بمثابة تبلور لمفهوم السرد المغاير، نضال ضد السرد الخطي المنظم الملتزم بسياق الحكاية ذات الثلاثة فصول.
دزيجا فيرتوف، واحد مقابل الكل
بعد الثورة البلشفية وفي العشرينيات احتاج السوفييت لسينما قومية تعبر عنهم، وبوعي كبير من لينين الذي رأى بأن السينما هي أهم وأخطر الفنون جميعًا، بدأ المخرجون الروس بصناعة سينما مغايرة عن ماقبلها مستغلين بشكل أساسي حيل وألاعيب وإمكانات فن المونتاج، لذلك عرفت تلك الحركة ب "المونتاج السوفيتي". اعتمدت تلك الحركة في جوهرها على إعادة خلق الواقع، وهو ما يتفق مع القدرة الفائقة للمونتاج من جانب، بكونه فن الخلق عبر تركيب وترتيب الصور، ومن جانب آخر فإنه يتفق مع الوازع الأيدولوجي الذي حركهم في البدء، لخلق "ثورتهم" وفكرهم الجديد من منظورهم الخاص. ورغم أن غالبية مبدعوها اتفقوا على نهج واضح، أمثال أيزنشتين، بودفكين، دوفجينكو، إلا أن دزيجا فيرتوف كان صوتًا مغايرًا عنهم، فنرى أن هم فيرتوف لم يكن أيدولوجي بقدر ما كان جماليًا، كما أنه مهتم ليس بإعادة خلق الواقع، إنما برصد الواقع نفسه، وتحديدًا مساحات ضيقة على هامشه، أو ربما في المنتصف وغير مُلتفت لها. نبوغ واضح عند فيرتوف في إيمانه بالواقع، عبر استعادة للفطرة التوثيقية المغروسة في كاميرا السينما وإعادة تطويع تلك الفطرة لتفكيك الواقع، صوره ودلالاته، لهذا يعد فيرتوف طليعيًا في اكتشافه لسيمولوجيا السينما والواقع معًا، فعلى عكس رواد الحركة الذين رأوا أن المعنى كامن في تتابع وتتالي الصور واللقطات، كان فيرتوف مهتم باللقطة لذاتها وثرائها.
السينما الثانية، مجرد رفاهية أم صورة مغايرة للنضال؟
بالعودة لبيان سولاناس وجيتينو، وقبل تعريفهما للسينما الثالثة كان مهمًا بالنسبة لهما تعريف ماهية السينما الأولى والثانية. السينما الأولى كما يريان كانت ببساطة هي سينما هوليوود، سينما الاستديو، السينما التجارية الخاضعة لقواعد الشباك والممثل أكثر. وبالنسبة للسينما الثانية فلقد كانت سينما أوروبا، السينما الحداثية أو ما يعرف بسينما المؤلف، ورأى سولاناس وجيتينو أنها نوع من السينما صحيح مختلف في جوهره عن السينما التجارية وابتذالها، لكنه في النهاية لا يناسب رواد وشعوب العالم الثالث. يتضح ذلك أكثر في الخلاف الشهير بين جودار وروشا، حيث يرى جودار أن المخرج البرازيلي جلوبير روشا مفتقد للجماليات وماهو نظري، في حين يصنف روشا جودار مخرج برجوازي آخر مهتم بالنظرية والجماليات، وهو شيء ليس مهمًا إطلاقًا لشعوب العالم الثالث، وهي شعوب في حاجة إلى خطاب محرض ومباشر أكثر.
وبالرجوع لتعريف ماهية "النضالي" في السينما، فإن سينما أوروبا وسينما المؤلف في ذلك الوقت لا يمكن نزعها عن سياق ماهو نضالي إطلاقًا، فالنضالي هنا لا يجب اقتصاره على ماهو سياسي، بل هو نضال الفرد في صناعة سينما مغايرة عن المجموع، وهو ما نراه مثلًا عند أورسن ويلز مبكرًا في أميركا، وفي إيطاليا عند بازوليني، فيلليني، أنطونيوني، الذين رافقت أفلامهم أفلام الواقعية الإيطالية، وكان لهم صوتًا مغايرًا، نبوغًا ووعيًا مبكرين، وهما من حافظا على خصوصيتهم حتى تلك اللحظة، في ذات الوقت فلقد عدت سينماهم مغايرة عن السينما التجارية \ الكلاسيكية، فكانت سينما ابنة لزمنها، واعية للحظة الراهنة، فلسفتها واتجاهاتها المتعددة، فهي تعبر عن إنسان ما بعد الحرب، الإنسان ذاته وليس المواطن الإيطالي فقط، لتكون المعاناة إنسانية ووجودية شاملة، عابرة للحدود، بالتالي ارتكز نضال رواد السينما الثانية على عدة جوانب، اجتماعي، فلسفي ووجودي، سردي وجمالي ونظري، ضد منظومة الصناعة نفسها وقيود الإنتاج والقواعد المصكوكة سلفًا، وهو ما يتجلى بشدة عند رواد الموجة الفرنسية الجديدة. نضال في جوهره يصنف على أنه، ضد السينما!
- نشرت المقالة بالعدد الثاني من جريدة ضد السينما، بتاريخ ١ فبراير لعام 2026.

تعليقات
إرسال تعليق