عُرف يوسف شاهين بكونه أكثر مخرجي السينما المصرية والعربية تمرّدًا، ولم يكن ذلك بسبب مواقفه الشخصية التي يُعاد ترديدها دومًا حتى هذه اللحظة؛ الإنسانية والاجتماعية أو حتى السياسية. تمرُّد شاهين الأكبر كان كامنًا في سينماه، إلى حدّ تمرّده على نفسه وأسلوبيته مع تغيّر السياق المحيط به. لذلك كانت سينماه دومًا ردّ فعل، ردّ فعل قاسيًا جدًا، رغم رومانسية ويا للأسف، يُختزل تمرّد شاهين الأكبر في رباعيته الذاتية («إسكندرية ليه» 1979 – «حدوتة مصرية» 1982 – «إسكندرية كمان وكمان» 1989 – «إسكندرية نيويورك» 2004)، التي بدأت بعد انتهاء رباعية النكسة («الأرض» 1969 – «الاختيار» 1971 – «العصفور» 1972 – «عودة الابن الضال» 1976). رغم ذلك، كانت رباعية النكسة مغايرة أيضًا، ومغايرة عن شاهين الخمسينات والستينات بدرجة أكبر؛ بالتالي كان شاهين فيها متمرّدًا، ولكن على ذاته، ناقدًا لنفسه قبل الجميع. على جانب آخر، لم يكن شاهين وحده بعد النكسة مَن صنع سينما مغايرة، فاضحة لنظام عبد الناصر، وكاشفة خيبة النكسة ومدى بؤس جيلها وندمه. فقد تجلّت في السبعينات أفلام امتازت بجرأة واضحة، على سبيل المثال لا الحصر فيلم «على من نطلق الرصاص» (1975) لكمال الشيخ، الذي تميّز في بداياته بالفيلم نوار، ثم اتجه بعد ذلك إلى النوار السياسي، كما يتجلّى في «غروب وشروق» (1970). ومن أفلام السبعينات التي اتّسمت أيضًا بنقد سياسي لاذع: «المذنبون» (1976) من إخراج سعيد مرزوق، و«الكرنك» (1975) لعلي بدر خان.
ما يلفت النظر إلى رباعية شاهين الذاتية دومًا، واقتصار «تهمة» التمرّد عليها، هو كونها مغايرة تمامًا، ليس عن شاهين فقط. فقد كان الأخير حاضرًا دومًا في شخصياته منذ البداية، وحتى قبل «باب الحديد» (1958). مما أثار الجدل في الرباعية الذاتية هو اختلافها عمّا اعتاد الجمهور المصري عليه. لذلك عُدّ تمرّد شاهين «تهمة» واختلافًا بداعي التحذلق، مع اتهامات لا نهائية بالأنانية والتمحور حول الذات والتعالي وتعمد الإرباك. رغم أنها لم تكن كذلك أبدًا. بل بنظرة موضوعية، نجد أن رباعية شاهين الذاتية كانت من أكثر أفلامه وضوحًا، وفي أحيان كثيرة مباشرةً إلى حدّ الابتذال.
ولم يقتصر تمرّد شاهين وحبّه للتجربة على الرباعية الذاتية فقط، بل تجلّى في الثمانينات والتسعينات أكثر، ممثلًا في استعارات تاريخية يمزج بينها وبين الواقعي والرمزي للتعبير عن الواقع والتاريخ برؤية ذاتية خالصة. هذه الأفلام هي: («وداعًا بونابرت» 1985 – «المهاجر» 1994 – «المصير» 1997). ولم يكن ذلك جديدًا على شاهين، فقد فعلها مبكرًا مع «الناصر صلاح الدين» (1963). وكانت محاولة جريئة، مما جعله أحد أكثر الأفلام إثارة للجدل حتى اليوم، ليس فقط قياسًا بمعايير عصره، بل لكونه فيلمًا ضخمًا وملحميًا عن شخصية تاريخية معروفة. بذلك امتدّ اعتبار شاهين مخرجًا جدليًا ومتمرّدًا حتى آخر أفلامه.
بالعودة إلى بدايات شاهين في الخمسينات وحتى منتصف الستينات، وهي فترات مهملة إلى حد كبير نقديًا وجماهيريًا بالقياس إلى فترات شاهين الأخرى، نجد أن تجربته كانت «متذبذبة» وغير مستقرّة، وليست واضحة بما يكفي. وهو ما يأتي مغايرًا للسينما التي انتشرت بعد ثورة 1952، إذ كان لكل مخرج لونه وما يبرع فيه، كما نرى لدى معاصريه مثل صلاح أبو سيف، وكمال الشيخ، وتوفيق صالح، وهنري بركات وغيرهم. كان شاهين مختلفًا، ليس بالمعنى الإيجابي بالضرورة. ورغم ذلك الاختلاف والتذبذب، نستطيع بوضوح أن نتتبّع أين يكمن شاهين، وإلى أي مدى كان موجودًا، مختلفًا ومتمرّدًا في خطابه، وإلى أي مدى حضرت سمات وتيمات واضحة ومتكرّرة في أفلامه في تلك المدّة، رغم أنها لم تكن على خط واحد أو وتيرة واحدة؟
البداية مع بابا أمين
قدّم يوسف شاهين فيلمه الأول «بابا أمين» (1950) ولم يكن قد تجاوز الرابعة والعشرين من عمره. عُدّ ذلك إنجازًا في زمنه، وحتى بمقاييس زمننا الحالي. فصناعة فيلم روائي طويل أول في سنّ مبكرة كهذه لا تحدث كل يوم، وإن حدثت فهي تُعدّ بمثابة نبوغ مبكر مهما كانت سلبيات التجربة.
رغم ذلك، كان «بابا أمين» ينمّ عن مخرج واعد جدًا. يُصنَّف على أنه أول فيلم ميلودراما سيكولوجية في السينما المصرية، ويتناول هواجس رب الأسرة أمين تجاه الموت وترك أسرته وحيدين. يتهيأ له أنه مات، فيستغرق في كابوس طويل يرى فيه مصيرًا مشؤومًا لأسرته بعد موته مباشرة، وكيف يُستغلّون ممّن حولهم. ينتهي به الأمر أن يصحو من نومه نادمًا على ترك مصير أسرته لصديقه، وممتنًا لعدم موته. تجربة فانتازية اختلفت عن السياق الواقعي والميلودرامي المعتاد في السينما المصرية، ونبّأت بمخرج له اتجاه واضح ومختلف من الوهلة الأولى.
على جانب آخر، وعلى مستوى الفكرة قياسًا بزمنها، لم يكن الفيلم تمرّديًا بخصوص ما يطرحه. ففي العام نفسه صدر فيلم هنري بركات «معلهش يا زهر»، وهو لا يُعدّ مسالمًا في طرحه بجانب «بابا أمين». فإذا كان الأب أمين (حسين رياض) في فيلم شاهين يحمد الله على كونه لم يمت ويتراجع عن قراره بإعطاء المال لصديقه بنية الثراء السريع، فإنّ «معلهش يا زهر» ينتهي بصابر أفندي (زكي رستم) وهو يتمرّد على الوظيفة الحكومية والمنظومة البيروقراطية والاجتماعية كلها، وهو خطاب مُحرّض وطليعي في ذلك الوقت.
خطاب محافظ
لم يكن شاهين متمرّدًا على طول الخطّ كما هو شائع. ففي أفلامه الثلاثة التالية يتجلّى خطاب محافظ لم تختلف نبرته عن خطاب سينما الثلاثينات والأربعينات. خطاب يُمجّد الفقر والستر ويحمد الله على الصحة وزوال الشر، في مهادنة واضحة مع شروط الميلودراما المصكوكة سلفًا. تلك الأفلام هي: «ابن النيل» 1951، و«المهرج الكبير» 1951، و«سيدة القطار»
في «ابن النيل» نرى حميدة (شكري سرحان)، الشاب الحالم بالهرب من قريته منذ الصغر. وحين يكبر، يترك قريته ويذهب إلى القاهرة، فيتعرض لكلّ «الموبقات»، ثم يعود إلى بلده في النهاية نادمًا بعد اشتباكه مع عصابة كبيرة. يتجلّى الخطاب المحافظ عند الذروة مع تلاقي حميدة مع الشيخ الأزهري في السجن، ليؤنبه على تركه القرية والأرض، وبأنه أولى بأرضه، وواجب عليه الرجوع إليها، لأهله ولربه؛ في إدانة واضحة لأبناء القرى الذين يتركونها حالمين. ورغم خطابية الفيلم، لم يخلُ من طرح أزمة حقيقية، هي أزمة فيضان النيل الذي يغرق الأرض ويهدم قرى الفلاحين كل عام.
يظهر الخطاب عينه أيضًا في الفيلم التالي «المهرج الكبير». نرى التيمة ذاتها التي شاعت في الأربعينيات، وهي «الاغتناء المفاجئ». الضحية هنا شحتوت (يوسف وهبي)، الباشكاتب بأحد القصور. يُطلب منه أن يعمل محللًا، ونتيجة لخلاف بين ربة القصر وزوجها تموت تاركةً إرثها لشحتوت فيتصرّف فيه كما يشاء. يتصرف شحتوت في المال ببذخ ويبتعد عن حارته، ليُفاجأ في النهاية بإصابته بالسرطان، وأن أيامه في الحياة معدودة. يتجلّى «الحل» بترك الأموال والتصدق بها بحسن نية، أملًا في الشفاء. هنا يكمن الخطاب المعتاد: المال بوصفه نقمة وجالبًا للشر، مقابل الصحة، لينتهي الأمر بالنقمة على المال وحمد الله على الصحة. يظهر ذلك في جملة الشيخ صالح لشحتوت: «تمرة واحدة تتصدق بيها تمنع عنك المرض»، وفي صوت الراوي مستنكرًا: «هل آمنت الآن يا صاحبي أن صحتك بالدنيا؟».
على جانب آخر، يظهر في الفيلم خط ثانٍ سيلزم شاهين حتى فيلمه الأخير: «الحب من طرف واحد» (أو بالعامية «حب ولا طالش»)، متمثلًا في حب شحتوت لجارته الشابة في الحارة، أسرار، التي أدَّت دورها فاتن حمامة.
يمتد الوعظ الأخلاقي في الفيلم الثالث «سيدة القطار» أيضًا. نرى العبرة متمثّلة في نهاية الأب المُقامر فريد (يحيى شاهين)، الذي نتيجة لطمعه وهوسه بالقمار يتعرّض لحادث يودي بحياته بعدما فاز، وللمرة الأولى، بمبلغ كبير من المال. يبدو الأمر كأنّ المرء حين يكتسب المال من مصدر غير «شرعي»، يُدان طوال الفيلم وتكون حياته ثمنًا لذلك الفوز «كعقاب إلهي». على جانب آخر من الفيلم نرى ليلى مراد بطلةً مع شاهين، ومن الشائع مع بدايات السينما المصرية أن يكون المغني هو البطل لأسباب تجارية بالدرجة الأولى. وهو ما يتضح أكثر فيما بعد في أفلام شاهين مع فريد الأطرش وشادية في النصف الثاني من الخمسينات، وفي الستينات مع فيروز في «بياع الخواتم» (1965) لأسباب مغايرة.
بين الكوميديا الاجتماعية والبروباغندا والواقعية
تنوَّعت التجارب التالية لشاهين بين الكوميديا الاجتماعية والواقعية، في ابتعاد واضح عن الميلودراما. يرجع ذلك أولًا لاختلاف شكل السينما بعد ثورة 1952 وموضوعاتها. ورغم أنّ جميع المخرجين كانوا قد اتفقوا ضمنيًا على الواقعية كنهج، ظلَّ شاهين مستغرقًا لمدّة ليست قصيرة في أفلام الكوميديا الاجتماعية «اللايت»، التي كان لها نصيب كبير من الانتشار قبل الثورة. لم يتمسَّك بها على نحو ثابت؛ يميل إلى الواقعية تارة ويعود إليها تارة أخرى. المشترك بين المسارين كان الاستعراضات، من الرقص والغناء. ولم يخلُ فيلم لشاهين في تلك المدّة من ذلك، إلى جانب البروباغندا الناصرية، سواء لعبد الناصر نفسه أو للقومية العربية.
كان الفيلم التالي لـ«سيدة القطار» هو «نساء بلا رجال» (1953). ورغم أن ظاهره يدور في إطار كوميدي اجتماعي، فإنه يفكك جوهرة مركزية للسلطة، متمثّلة في شخصية الأم مالكة القصر (علوية جميل). هي أم سلطوية تمنع بناتها من الخروج، وتحذّرهن دائمًا من الرجال وألاعيبهم. نلحظ أنّ الفيلم في بنيته وأسلوبه يشبه، إلى جانب «المهرج الكبير»، فيلم «قواعد اللعبة» لرينوار (1939)، وهو من الأفلام الرائدة التي فككت المجتمع البرجوازي الفرنسي بذكاء شديد رغم انتمائه إلى الكوميديا الاجتماعية. يشير ذلك إلى تأثر مبكر واضح لدى شاهين، سواء بالواقعية الشعرية الفرنسية أو سينما هوليوود المبكرة في استعراضاتها، ويتجلَّى هذا التأثر قرب النهاية عندما تعمّ الفوضى القصر.
يبدأ تفكك السلطة والنظام في الفيلم بمجرّد دخول ابن أخ المالكة إلى القصر (جمال فكري) الذي يؤدّي دوره عماد حمدي. يتّضح الخطاب قرب النهاية عندما يرشّح جمال فكري نفسه نائبًا عن دائرته ضدّ أبيه، وتردُ الجمل قبيل المصالحة وقرار الأب بإفساح المجال له: «عهد الرشوى والفساد انتهى… ليه متفسحش المجال لغيرك، للشباب… لازم البلد يعيش… جمال لازم يعيش… جمال ابنك والبلد بلدك… يعيش جمال فكري». الخطاب هنا واضح، ويبيّن إلى أي مدى كان شاهين مؤمنًا ومصدّقًا بمشروع عبد الناصر حتى قبل توليه الحكم رسميًا. ولم تكن هذه رؤية خاصة بشاهين وحده، إذ كانت اتجاهًا شعبويًا في ذلك الوقت.
على هامش الفيلم نرى الظهور الأول لشخصية المتلعثم المحب من طرف واحد، مُتمثّلة في «عزت أفندي»، الذي يعترف بحبّه لإحدى فتيات القصر، أزهار. تردّ عليه بضحكة عالية، ويُشار إليه سابقًا على أنه «مش راجل». وهو الوحيد من الجنس الآخر المسموح له بدخول القصر كيفما شاء، في إرهاصة مبكرة لشخصية قناوي في «باب الحديد» لاحقًا.
على النسق عينه، مواجهة مباشرة بين جيلين نراها في فيلم آخر لشاهين هو «حب إلى الأبد» (1959). الفيلم أقرب إلى النوار السياسي، ويلتزم فيه شاهين بجدّية وأسلوبية واضحة، مُشابهة لفيلم سبقه بعام هو «باب الحديد». في «حب إلى الأبد» نتتبّع السقوط الأخلاقي لبطل الفيلم «أشرف نيازي» (أحمد رمزي). نرصد ورطته من اللحظات الأولى عبر «زاوية مائلة»، نرى من خلالها أشرف بعد ارتكابه جريمة القتل لتوّه. بعدها نرصد شوارع القاهرة بعيون يوسف شاهين في لقطات مُتقنة وبانورامية. يهيمن على الفيلم أيضًا خطّ أسلوبي واضح يتمثّل بتكرار السيلويت عند ظهور الأبطال، خصوصًا أشرف نيازي، آمال (نادية لطفي)، ومحمود نيازي (محمود المليجي)، ولقطات المرايا التي يظهر انعكاسهم فيها كأنها تكشف في كلّ مرة تقهقرهم. ينتهي الفيلم بمواجهة بين أشرف وأخيه الأكبر محمود، إذ يتّهم أشرف محمودًا بالجرم والخداع ويفضحه أمام الجميع، في إدانة واضحة لجيل أكبر يمارس سلطته، وجيل أصغر يهدّده بالإزاحة، وهو جيل أكثر حرّية وتقبلًا ممثلًا في أشرف نيازي.
نرى امتدادًا لذات الخطاب القومي في فيلم كوميدي آخر لشاهين، ينتمي إلى أفلام البروباغندا غير المباشرة، على وتيرة أفلام إسماعيل ياسين في الجيش والأسطول وغيرها، وهو «ودّعت حبك» (1956). كان الفيلم التعاون الأول لشاهين مع فريد الأطرش وشادية، ويرصد أزمة الصول أحمد (فريد الأطرش) واكتئابه المزمن داخل المؤسّسة العسكرية، فيما تحاول المؤسّسة الترفيه عنه عبر إدخاله عنبرًا خاصًا بالمصابين لكي يرفّهوا عنه. تتّضح المبالغة في التعامل «الحَسن» داخل المؤسّسة، فالعنبر يبدو «مرفهًا» بشكل مبالغ فيه عبر الأنشطة الفنية، وآلات العزف، وتوفر أدوات الرسم، وانتهاءً بحرّية كبيرة نسبيًا وغير خاضعة للرقابة. تتجلّى ذروة الخطاب في الأغنية الجماعية «إحنا لها»، التي تروّج للقومية والعروبة، في إثبات جديد من جانب شاهين لولائه للمشروع الناصري والعربي. وهو ما يتجلّى أكثر وبشكل مباشر في أفلام مثل «جميلة» (1958) و«الناصر صلاح الدين».
على جانب آخر في الفيلم، نتقاطع للمرة الثانية مع نموذج المتلعثم المُحبّ من طرف واحد، ممثلًا في شخصية الصول فتحي (أحمد رمزي) الذي أحبّ من طرف واحد وماتت حبيبته، مما أصابه بالإحباط. امتدّ التعاون مع فريد الأطرش وشادية إلى فيلم ثانٍ هو «أنت حبيبي» (1957). ورغم أنّ كثيرين يعدّونه فيلمًا هزليًا قليل الجدّية، وهو كذلك، فإنّ أغنياته ظلَّت رائجة حتى اليوم، ويُصوَّر على أنه أيقونة لأفلام «اللايت» في تلك المرحلة.
فيلم آخر بعد ثلاث سنوات يتبع نهج «أنت حبيبي» عينه، هو «بين إيديك» (1960)، وإن كان أكثر جدية قليلًا. إذا كانت أزمة «أنت حبيبي» أنّ البطل لا بدّ أن يتزوجّ من ابنة عمه للحصول على الإرث، ففي «بين إيديك» تبحث البطلة آمال (ماجدة) عن عريس لتحافظ على ثروتها. يتجلَّى نزوع شاهين للواقعية الاشتراكية هنا؛ إذ يرى أنّ عريس آمال «المثالي» هو رجب (شكري سرحان) الذي يعمل بيديه في ورشة. ورغم أنّ نموذج رجب يُنتقد من العائلة البرجوازية في البداية، فإننا مع نهاية الفيلم نجدهم جميعًا وقد اتّجهوا للعمل بأيديهم، في انحياز واضح لهذا النموذج، مع جمل مثل: «مصلحة العائلة قبل الفرد».
لم يكن «بين إيديك» أول فيلم يمتثّل فيه شاهين لنهج الواقعية الاشتراكية، ولا حتى الأشهر له في تلك المدّة مثل «باب الحديد»، حين نرى فريد شوقي يصرخ: «عايز نقابة… عايز نقابة». هذا الاتجاه نلمسه مبكرًا منذ فيلمه السادس «صراع في الوادي» (1954)، وهو أول فيلم واقعي «صرف» ليوسف شاهين. ومنه تتّضح سمات أسلوبية وتيمات كثيرة ستلازمه لاحقًا، مثل الحب على هامش الصراع أو كمحرّك له، والأماكن شديدة الاتساع ذات البيئة الخاصة (الصحراء، الأراضي، المصانع، محطات القطار)، والقرى في الصعيد والريف، والتركيز على الطبقة العاملة. (نرى ذلك في أفلام مثل: «شيطان الصحراء» 1954 – «صراع في الميناء» 1956 – «باب الحديد» 1958 – «نداء العشاق» 1960 – «رجل في حياتي» 1961).
كل فيلم منها ارتكز على رصد بيئة مغايرة تمامًا عن المدينة، التي كانت مركز الصراع في غالبية أفلام تلك المرحلة. وهو ما يوضح نبوغًا لدى شاهين في اختيار بيئات مختلفة لرصدها، وقاده ذلك أيضًا إلى رصد فئات عاملة متعدّدة، فنرى في «صراع في الوادي» وكذلك «ابن النيل» فئة المزارعين، وفي «صراع في الميناء» عمال الميناء وكذلك الصيادين، وفي «رجل في حياتي» العمال، وفي «نداء العشاق» عاملات المحلج، وفي «باب الحديد» عمال التراحيل. لكلّ بيئة خصوصيتها وتفاصيلها وهمومها، وربما كان رصد شاهين لتلك التفاصيل أهم مميزاته في كلّ مرة.
تيمة مكرّرة أيضًا في هذه الأفلام هي «القتل الخطأ» أو القتل المُتعمد مع اتهام بريء. بدأت من «صراع في الوادي» متجسّدة في اتهام صابر (عبد الوارث عسر)، والد أحمد بطل الفيلم (عمر الشريف)، بقتل الشيخ عبد الصمد المنياوي، رغم أنّ القاتل كان رياض (فريد شوقي) الذي خطَّط، برفقة طاهر باشا (زكي رستم)، لحرق محصول القصب الخاص بالفلاحين، وقتل الشيخ عبد الصمد، واتهام صابر. نرى هذه التيمة تتكرر لاحقًا في «صراع في الميناء»، «حب إلى الأبد»، «باب الحديد»، «نداء العشاق». واللافت أنّ الضحية في كلّ مرة تكون بريئة ولا دخل لها بالصراع، بالتالي فهي تعبير عن براءة يفتقد إليها عالم قاسٍ بطبيعته، ولا سبيل لخلاص هؤلاء الأبرياء في ظلّ تلك القسوة.
وكما يبدأ «صراع في الوادي» بصوت الراوي، وهو البطل نفسه، الذي يدين عملية بيع الباشا لقصبه في كلّ مرة بينما الفلاحون لا يقدرون على ذلك، يضع شاهين طاهر باشا مباشرة أمام الاتهام بوصفه «تايكون» خصمًا شريرًا يملك أدوات الإنتاج والهيمنة ويظلم العمال. نرى بالمثل زيد الطاغية في «شيطان الصحراء»، والمعلم فتحي وهيمنته على الصيادين في «رجل في حياتي»، وشخصية حسين رياض مالك الميناء وعماله وتابعه عزت (توفيق الدقن) في «صراع في الميناء»، والشهاوي مالك المحلج في «نداء العشاق». كلّ شخصية من هؤلاء امتلكت أدوات الإنتاج، وهي في الغالب طبقة برجوازية محتكرة، مستلبة للعمال، وجائرة على حقوقهم. وينتهي الأمر في كلّ مرة بسقوطها المدوّي.
يبدو شاهين في تبنيه للواقعية الاشتراكية مقاربًا أسلوبيًا لمدرسة الواقعية الإيطالية، الأكثر رواجًا في تلك المرحلة. يتّضح هذا التقارب بشكل كبير في «نداء العشاق». فبيئة الفيلم (محلج مقتصر في عمله على الفتيات) إلى جانب الشخصية الرئيسية ورد (برلنتي عبد الحميد)، تتطابقان مع الفيلم الإيطالي «أرز فاسد» (1949) لرائد الواقعية الإيطالية جوزيبي دي سانتيس. وبالمناسبة، كان «نداء العشاق» الفيلم الرابع الذي تظهر فيه شخصية المتلعثم المُحبّ من طرف واحد، متمثلًا في «أبو ركبة» وحبّه لورد.
تظهر في الفيلم أيضًا إرهاصات لشخصية بهية، التي سيعتمد عليها شاهين اعتمادًا كبيرًا وممتدًا في سينماه، والمعادل لها وصيفة في «الأرض». تظهر بهية عاملة ساذجة يستغلّها جنسيًا ابن الشهاوي (فريد شوقي)، وتنتهي مقتولة في النهاية بيد حسن (توفيق الدقن). ويُشار إلى أنها ماتت بالخطأ لمداراة حقيقة موتها. وبالعودة إلى «صراع في الوادي»، يكون تأسيسًا لاسم آمال أيضًا، الذي نراه فيما بعد في «بين إيديك» و«حب إلى الأبد».
من الواقعية الاشتراكية إلى تفكيك البرجوازية
ذهابًا إلى فيلم «فجر يوم جديد» (1964) يظهر ميل مغاير لدى شاهين وتطوّر في خطابه. فإذا كان، منذ «صراع في الوادي»، يشير بأصابع الاتهام إلى طبقة برجوازية مسؤولة عن معاناة الطبقة العاملة، وهو يحاول هدم أخلاقيات تلك الطبقة من الخارج، فإنّ «فجر يوم جديد» يحاول تفكيك تلك الطبقة من الداخل، متوغلًا فيها من نواحٍ سياسية واجتماعية، وتحديدًا نفسية.
يتّضح التناقض الكبير في أخلاقيات تلك الطبقة عبر شخصية حمادة (يوسف شاهين). ورغم أنّ حمادة زوج متسلّط ومتزمت لا يُحتمل في تعامله مع زوجته، فإنه يظهر منحلًا وخاليًا من المسؤولية. يُفكك شاهين زيف هذه الأخلاقيات عبر شخصية نائلة، التي تؤدّيها سناء جميل ببراعة. يتجسَّد تمرُّد نائلة في حبّها لطالب شاب يُماثل عمر أولادها الذين حُرمت إنجابهم، وهو طارق (سيف الدين). بأخلاقياته وحياته، يكون طارق نقيضًا للبرجوازية المتجسّدة بشكل صارخ في حمادة، الذي يُشار إليه بوصفه أحد أكبر تجار الخردة سابقًا، فيما يُشار إلى نائلة بأنها ابنة عائلة أرستقراطية. إذن فزواج حمادة ونائلة كان قائمًا على المصلحة، وعلاقتهما المتأزّمة نتاج امتزاج الأرستقراط بالبرجوازيين.
يزيد اغتراب نائلة شيئًا فشيئًا حتى تصل إلى الصراخ عاليًا: «باااس»، عند شعورها بزيف طبقتها وبالمفارقة التي تعيشها حين تكون مع طارق. تعبّر نائلة لأخيها عن مخاوفها وافتقادها لنفسها الصغيرة. البراءة المفقودة هنا ليست حنينًا إلى الطفولة فقط، بل براءة شُوّهت بسبب قيود الطبقة الاجتماعية نفسها وأسوارها التي تعزل أفرادها عن المجتمع المحيط. يتمثَّل الحل في النهاية في هروب نائلة من كلّ ذلك، مقررةً العودة إلى الطفولة والتصالح مع طفلها الداخلي، عبر مرافقتها لطفل من ملجأ للأيتام كان قد عاود الظهور في كوابيسها، ويمثّل لها صورة الطفلة منها.
ورغم أنّ ذلك يُعدّ خلاصًا للشخصية نفسها، وهو ما يعاود شاهين فعله لاحقًا في «حدوتة مصرية»، فإنه يبدو حلًا برجوازيًا لأزمة برجوازية. حل منغلق على ذاته وشديد الخصوصية، كما أنه مهادن. فالخادم حسن، الذي مات طفله بسبب إهمال حمادة ونائلة، لا تصدر منه أي ردة فعل حين تذهب إليه نائلة طلبًا لمسامحته. تذهب نائلة بعد ذلك إلى طارق وتخبره بأنها سعيدة وحرّة لأن حسن لم يفعل شيئًا. ويبدو ذلك هروبًا سريعًا ومنغلقًا على الذات، لأن الخطاب هنا لا يفكك ولا يدين بقدر ما يتجه إلى الداخل ويتقوقع على ذاته. فيما تعبر شخصية نائلة عن الصراع الدائم بين جيلين، وهي تيمة شاهينية صرفة، متمثلة في قولها: «أنا الماضي»، معبّرة عن ذلك بأسى شديد.
- نشرت المقالة بموقع فاصلة السينمائي بتاريخ 24 يناير من عام 2026 على هامش مئوية يوسف شاهين.

تعليقات
إرسال تعليق