مائدة طويلة يجلس حولها برجوازيون، وفي مقدّمتها رجل يلعب الشطرنج. بيدق أسود يزيح آخر أبيض، فيسقط البيدق في المياه، فيما تلاحقه السيدة المجهولة بلا أمل، لتنتهي ضائعة ووحيدة خارج حدود القصر.
يؤكد المشهد السابق من الفيلم القصير «على الأرض» الصادر عام 1944 للمخرجة الأميركية مايا ديرين محض نزعة ذاتية وأصيلة في سينماها. لم تقتصر طليعيتها على كونها صوتًا أنثويًا متفرّدًا ومغايرًا في صناعة لم تُحبّذ وجود النساء منذ نشأتها وحتى وقت قريب، فالمدرسة السريالية نفسها، التي انتمت إليها ديرين بأعمالها، كانت آنذاك زاخرة وتحتفي بأعمال لويس بونويل وجان كوكتو، على سبيل المثال. وفي المقابل، يلحظ تهميش طليعية تجربة جيرمين دولاك وإسهامها في السينما السريالية، والتي سبقت تجربة بونويل، فضلًا عن عدم نيل الفرنسية أليس غي بلاشيه الاعتراف المستحق بريادتها في السينما الروائية، لمصلحة دي دابليو غريفيث.
كان فيلم «على الأرض» التجربة الثانية لديرين بعد تجربتها الأولى «شبكات ما بعد الظهيرة» الصادر عام 1943. يلحظ اختلاف في اختيار المكان ومساحة الحركة هذه المرة مقارنة بالفيلم الأول، مع الاحتفاظ بجوهر الموضوع. ففي «شبكات ما بعد الظهيرة» يدور الفيلم في مساحة ضيقة هي البيت، المعبر عنه داخل سياق العمل على أنه تجسيد للاوعي بطلته التي تؤدّيها ديرين نفسها. يصبح الأمر أشبه بسبر أغوار الذات عبر كابوس طويل، مستقره البيت، ولا تستفيق البطلة منه.
في «على الأرض» يبدو الأمر مختلفًا قليلًا. فديرين هنا، ولو كانت داخل حلم شخصي ممتدّ، فإنها تبدو دخيلة على عالمه. تظهر منذ الوهلة الأولى على الشاطئ بعد أن تقاذفتها الأمواج، وكأنها وُلدت لتوّها من البحر. الإحالة إلى الأسطوري متجلية منذ اللحظة الأولى، فتبدو الفتاة أقرب إلى حورية بحر أو كائن خرافي، أو إنسان بدائي بمعزل عن الحضارة والتاريخ. يتجلَّى ذلك في ملابسها البسيطة التي بالكاد تُغطيها، وقدميها الحافيتين، ونظرة الدهشة في عينيها طوال الوقت، وكأنها لا تعي السياق كاملًا.
تمشي الفتاة على الرمال، وتتسلَّق ما يشبه الشجرة لتجد نفسها على حافة شرفة قصر. ترى في ردهته مجموعة من البرجوازيين حول مائدة طويلة. الجالسون لا يأبهون بها، فيما تزحف على بطنها فوق الطاولة حتى تصل إلى الرجل الجالس في المقدّمة، المنهمك وحده في لعبة الشطرنج. تحاول إشراك نفسها في اللعب، فتختار الأبيض، فيُزاح بيدقها ليسقط، لا عن الرقعة فقط ولا عن الطاولة فحسب، وإنما إلى قاع النهر.
لا يقتصر نبوغ المشاهد السابقة على رمزيتها، ولا يقف عند حدود ما هو أنثروبولوجي، المتمثّل في انتقال الفتاة بين البحر والشاطئ والقصر. فالمَشاهد بأكملها تنطوي على رؤية واضحة للذات، وتحديدًا الذات الأنثوية التي أُقصيَت لتكون بمعزل عن الحضارة. يتّضح ذلك في كون الفتاة دخيلة على هذا العالم، فهي تُجاهد بتسلّقها للوصول إلى الشرفة، بينما هي في الخارج والجميع في الداخل، والجميع يشمل النساء أيضًا. في الوقت ذاته يتجلَّى الحكم الأوتوقراطي، فصانع القرار يجلس في مقدّمة الطاولة يلعب الشطرنج وحده. وعند محاولتها المشاركة، ينتهي الأمر بإقصائها بقوة، لا من حدود اللعب فقط، بل من فضاء القصر بأكمله. وهو ما يفسّر رؤية ديرين للفتاة بكونها كائنًا بدائيًا يزحف على أربع في نظر أولئك الجالسين، ليبدو الأمر وكأنه تاريخ كامل للإنسانية قائم على الإقصاء.
تنتهي رحلة البحث عن البيدق بالفتاة وحيدة من جديد على الشاطئ، فيما يرافقها رجل وسيم يظهر فجأة إلى جوارها. تتبعه إلى منزل بمعزل عن الجميع، وحين تدخل إليه تُفاجأ بالرجل عليلًا. تبدأ بتفقُّد المنزل، لتجد نفسها في النهاية خارجه، وحيدةً مرةً أخرى.
لا يمثّل البيت عند ديرين مساحة آمنة، ولا ينفصل عن كونه سجنًا للذات. لذلك يبدو الدخول إليه أشبه بالدخول إلى مغارة عبر باب لا تتضح معالمه. يتبع ذلك ظهور الشاب عليلًا بعدما عرفته الفتاة بوسامته، ثم تبدأ في الانتقال من باب إلى آخر ومن غرفة إلى أخرى، فيبدو البيت مثل مصيدة أو متاهة. يتجلَّى الأمر أشبه بمزحة ثقيلة قائمة في الأساس على الزيف، وهو ما يفسّر هرب الفتاة مجدّدًا إلى الخارج وإلى الشاطئ، حيث المساحة الشاسعة والحرّية. يظهر هنا أنّ سينما البلجيكية شانتال آكرمان امتداد لسينما ديرين، مع سريالية أقلّ، وشعور بالاغتراب لا يفارقها، ومع حضور البيت على هيئة خصم مُحتَمل، وليس ملاذًا آمنًا للنساء، حيث استلاب مستمرّ للذات يفضي إلى الهلاك.
تلتقي الفتاة بعد ذلك بشابتين تلعبان الشطرنج على الشاطئ. وربما يظهر تأثّر إنغمار بيرغمان بهذا المشهد بعد ثلاثة عشر عامًا في فيلمه «الختم السابع» الصادر عام 1957، إذ نرى في افتتاحيته فارسًا ملقى على الشاطئ يواجه ملاك الموت في مباراة شطرنج مقايضة لحياته.
تحاول الفتاة توحيد الشابتين، وفي لقطة شاعرية تظهران بجوار بعضهما البعض، تلعبان الشطرنج في جانب واحد ضدّ لا أحد، فيما يشعر الثلاثة بتناغم وصفاء كبيرين. لكن هذا التناغم ينهدم سريعًا مع اقتراب البيدق الأسود من إزاحة الأبيض.
هنا تعود نزعة الخوف إلى الفتاة الدخيلة، ويتجلَّى شعورها بالاغتراب. فكلّ ما شعرت تجاهه بالألفة والتوحُّد هو البيدق الأبيض، المنبوذ والمقيم على الهامش. في الوقت نفسه ترى صورًا مختلفة من ذاتها، واحدة تلتقط الحجارة، وأخرى منسجمة مع الفتاتين، بينما هي ترى نفسها خارج تلك الحدود.
يترتَّب على ذلك سرقتها البيدق قبل إزاحته، ثم الهرب من جديد، مُنطلقةً نحو الأفق ومتّحدة معه، في تأكيد جديد على اللاانتماء والرغبة في الخروج من أيّ إطار اجتماعي أو حتى مادي يربطها بالآخرين أو بالمكان.
- نشرت المقالة بموقع فاصلة السينمائي، بتاريخ 24 فبراير لعام 2026.

تعليقات
إرسال تعليق