القائمة الرئيسية

الصفحات

دهشة البدايات: السينما الصامتة بين التقنية والسحر


على الرغم من حداثة سنها، أصبحت السينما أكثر الفنون ازدهارًا وإنتاجًا وإثارة للجدل، وهي بلا شك جزء لا يتجزَّأ من تكوين القرن العشرين الحافل بالاختراعات. وتاريخ السينما يظل غير واضح في كل مرة، لذلك فهو يخضع دائمًا لإعادة التدقيق، لأنه يشمل عالم الحرب والثورة، والتطورات الثقافية والشمولية، ونمط الحياة. كل هذه التأثيرات ترجع إلى حقيقة أن السينما كوسيلة تعبير فني تتعامل مع مشاعر الناس وأخلاقهم وثقافتهم ومعتقداتهم، وهي قادرة على غرس أفكار ومعتقدات خاصة في جمهورها. ومن دون فهم السينما وتاريخها لا يمكن للمرء أن يفهم خطابها أو يتواصل معها بشكل سليم. لذلك يجب أن يكون مفهومًا منذ البداية أن السينما، بسبب شعبيتها غير العادية، كانت دائمًا في خطرٍ من القوى التي لا تستطيع السيطرة عليها، في حين أنها بدورها كانت قادرة على التأثير في التاريخ بأكمله. 


في هذه الدراسة نحاول العودة إلى جذور السينما، الفن المثير للجدل، من ناحية عملية وتقنية، ومن ثم ننتقل إلى رصد تطوراته السردية والجمالية في بدايات القرن العشرين، التي أسَّست وأثَّرت في لغة السينما على مدار أكثر من قرن. 


تأسيس التقنية: اختراع آلة التصوير والصور المتحركة


مع أن أصول التصوير يُمكن إرجاعها إلى فترة رسومات الكهوف والمنحوتات الأسطورية، إلا أن التأريخ للسينما يبدأ بالخطوات التي أدت إلى اختراع كاميرا الفيديو وجهاز العرض؛ وتلك الحقبة في التاريخ التمهيدي للسينما كانت نابعة من عالَم المخترعين والعلماء لا الفنانين. ففي القرن التاسع عشر ظهرت ثلاث نظريات علمية قامت على اكتشاف ثلاث ظواهر، وأدت في نهاية القرن إلى إنشاء صور متحركة. تلك الظواهر هي:


• ظاهرة "الاستمرارية البصرية أو استمرار الرؤية"، وتعني أن الصورة التي تراها العين ولو بشكل عابر تظل مطبوعة على شبكية العين لمدة عُشر الثانية بعد اختفائها.

• ظاهرة "PHI"، وهي عبارة عن خداع بصري يجعل العين ترى مجموعة من الصور المتتابعة والسريعة وكأنها صورة واحدة تتحرك، ومستمرة في حركتها.

• "التصوير أو الفوتوغرافيا".


اكتشاف ظاهرتَي "الاستمرارية" و"Phi" مكَّن من الانتقال من الصور الثابتة إلى الصور المتحركة، لكن لم يكن بالإمكان تحريكها ورؤيتها على الشاشة من دون التقاط صور حقيقية. وبفضل التصوير الفوتوغرافي استطعنا رؤية الصور التي رسمتها الأيدي البشرية وهي تتحرك؛ وهي ما تُعرف اليوم بالرسوم المتحركة. هذا هو السبب في أن الكثيرين يعتبرون أن صناعة السينما وليدة مجال صناعة التصوير الفوتوغرافي.


أمَّا أُصول التصوير الفوتوغرافي فتعود إلى عصر النهضة، تحديدًا إلى (ليوناردو دافنشي) الذي توصَّل إلى فكرة تصميم الغرفة المُظلمة "Camera Obscura". وقبل التطرق إلى اختراع دافنشي والاستفاضة في شرحه ورصد تطوراته، لا بُد من أن ننسب الفضل للعالم العربي "الحسن بن الهيثم"، لأنه أول من صكَّ مفهوم وآلية عمل الغرفة المظلمة في كتابه "المناظر"، ووصفها كما رسمها دافنشي من بعده بنحو 400 عام. لم تكن نظرية ابن الهيثم محض صدفة أو مجرد تجربة عابرة، بل استفاض في شرحها؛ فوصف كيفية انتقال الضوء في خطوط مستقيمة، وكيف يتكون انعكاس العالم الخارجي داخل الصندوق (الغرفة) المظلمة. بذلك دحض ابن الهيثم زعم الأوائل مثل (إقليدس) و(بطليموس)، بأن الضوء يَكْمُن داخل العين نفسها. 


رجوعًا إلى الغرفة المظلمة التي بناها دافنشي، فقد كانت عبارة عن غرفة مظلمة فيها فتحة في أحد الجدران، وعند وضع شاشة بيضاء مُواجِهة للفتحة تظهر كل الصور أمام فتحة الغرفة؛ مقلوبة أو معكوسة. وفي عام 1550م طورها العالم الإيطالي (جيمباتيستا ديلا بورتا) عن طريق تثبيت عدسة على فتحة الغرفة، مما أدى إلى إنشاء صور أوضح بكثير من الصور السابقة.


 كل ذلك التطور كان مُنحصرًا في الغرفة المظلمة ولا يشمل آلة التصوير. ولكي تتحول الغرفة المظلمة إلى كاميرا، كان الجهاز بحاجة إلى زجاج فوتوغرافي ليحل محل الجدار، فقام علماء القرن التاسع عشر بمحاولة اختراع هذا الزجاج الفوتوغرافي من خلال سلسلة من التجارب المُتتابعة. وفي أوائل عام 1816 حصل الفرنسي (جوزيف نيسيفور نيبس) الذي اتَّبع مبادئ التصوير الفوتوغرافي، على صور شبه ضبابية على ألواح معدنية، وأطلق على عمله اسم "الهليوغراف". ومع انضمام (لويس داجير) إليه، واصلا عملهما في هذا المجال. وأخيرًا، في عام 1839، تمكَّنا من تقديم طريقة عملية للتصوير وتثبيت مبادئها.


 كانت طريقتهما بطيئة جدًا وشاقة؛ فحتى تظهر الصورة بشكل جيد يجب أن يظل العنصر ساكنًا في مكانه لمدة خمس عشرة دقيقة. لهذا السبب كان بإمكانهما تصوير الأجسام الساكنة فقط، وإذا أرادا تصوير كائن حي يتحرَّك يتعيَّن عليهما إمساك رأسه بمقبض معدني لإبقائه بلا حراك لفترة طويلة.


جَرَت محاولات أوليَّة لإنشاء صور متحركة باستخدام الصور الثابتة؛ وكان المطلوب من الصورة المتحركة الحقيقية أن تتحرَّك باستمرار. وبدلًا من أن تكون مزيجًا بسيطًا من الأجزاء الثابتة للحركة، تُحلَّل أولًا إلى وحداتها المكونة ثم تُدمج.


أول شخص تجاوز هذه المرحلة يُدعى (إدوارد مويبريدج)؛ كان مصورًا مُتنقلًا ومُخترعًا إنجليزيًا، وقد سافر إلى ولاية كاليفورنيا الأمريكية. آنذاك، عام 1872، كان حاكم كاليفورنيا هو (ليلاند ستانفورد)، والذي عُرف عنه اهتمامه بتربية الخيول وسباقات الخيل. تحدَّى ستانفورد صديقًا له على الشكل الذي تبدو عليه هرولة الحصان، وراهنه على أن حوافر الحصان الأربعة سترتفع عن الأرض في اللحظة نفسها وقت الهرولة. بناءً على ذلك، طلب ستانفورد من مايبريدج التقاط صور فوتوغرافية لحظية لواحدٍ من أحب خيول السباق إليه.


أمضى مويبريدج خمس سنوات في البحث ليتحقق من النتائج، بعدها قام بوضع اثنتي عشرة كاميرا متتالية على امتداد حواف طريق السباق، ثم ربط بعض الأشرطة بمثبتات الكاميرا. كان هدف مويبريدج المبدئي هو الحصول على صور لحظية منفردة، أما كونها متتابعة سريعة فقد جاء عَرَضيًا. خلال السنوات القليلة التالية عمل مويبريدج على تقنية الكاميرات المتعددة الخاصة به لتصوير حركة الحصان، حتى أتقنها عام 1878، وأطلق عليها اسم "Sallie Gardner au galop". وقد ركَّز فقط على حركات الحيوانات، ولأن حركات الحيوانات لم تجذب الكثير من الاهتمام العام، لم يكن نشاطه فعَّالًا بقدر كبير.


واصل مويبريدج أبحاثه حتى سُجن بسبب تهمة جنائية، وتلاه في البحث والتطوير مهندس وكيميائي فرنسي يُدعى (لويس لو برانس).


صعوبة البدايات: الرواد الأوائل والتمهيد لصناعة السينما


 كان لو برانس أول شخص يصنع صورًا متحركة باختراعه كاميرا فيديو ذات عدسة واحدة، ثم ذات 16 عدسة، لكنه هو أيضًا اختفى فجأة في ظروف غامضة في عام 1890، ويُشار إلى أن سبب اختفائه يرجع إلى (توماس إديسون). بذلك انتهت حكاية لويس لو برانس، الرجل الذي يُنظر إليه على أنه والد التصوير السينمائي.


بعد ذلك سيسيطر توماس إديسون والأَخوان لوميير على عناوين الأخبار لاختراعهم المعدات التي جعلت الصورة المتحركة ممكنة، والتي سبقهما إليها لويس لو برانس بسنوات وترك وراءه أربعة أشرطة فيديو لا تقل عن دقيقة، تُعدُّ الأفلام الأولى في تاريخ السينما على الإطلاق، وليس عروض لوميير أو "خروج العمال من المصنع" كما هو شائع؛ ما يعني أن أفلام لويس لو برانس سبقت أفلام إديسون ولوميير بأكثر من نصف عقد. 

 وتلك الأفلام هي: 

"Man walking around corner (1887)" 

"Traffic crossing Leeds bridge (1888)" 

"Accordion player 1888"

" Roundhay garden scene (1888)"


إكمالًا لجهود مويبريدج ولو برانس وزملائهما، اهتمَّ العديد من العلماء والمخترعين في الولايات المتحدة وفرنسا وروسيا وإيطاليا بتحريك الصور وتطوير تكنولوجيا صناعة الصورة والسينما، وكانت شغلهم الشاغل لفترة ليست بالقصيرة. ولعل أبرزهم إديسون ومساعده ديكسون في الولايات المتحدة، والأخوان لوميير في فرنسا، وجهودهما كانت وتظل محل تقدير من قبل العلماء والمخترعين ببلدان أخرى.

 كان دور إديسون في ميكانيكا السينما وتصميمها مهم جدًا، مع أن ذلك جاء على هامش اختراع الفينوجراف وتطوير جهاز الكينتوسكوب. أما الأخوان لوميير، فاستخدما آلية إشعال النار الدوارة داخل كاميرتهما لضمان الحركة المتقطعة. والحركة المتقطعة هو المصطلح الذي اختاره المؤرخ السينمائي ديفيد كوك في كتابه "تاريخ الفيلم الروائي" للتعبير عن حركة الفيلم الفعلية والتي تتم يدويًا عن طريق تحريك الإطارات داخل كاميرا لوميير وبذلك ينتقل الفيلم من لقطة لأخرى . لكنهما لم يجدا هذا النمط مناسبًا في التجارب اللاحقة واستخدما طريقة إديسون لتحريك الفيلم داخل كاميرتهما.


ولا شك أن السينما وعرض الصور المتحركة وُلدت مع كل هؤلاء العلماء، وتمت هذه الولادة نتيجة مزيج من أفكار إديسون والأخوين لوميير، ومن قبلهما بالطبع لو برانس.


لكن أغلب هؤلاء العلماء كان لهم مصير غريب في تلك الأثناء؛ فقد سُجن مُبتكر الصور المتحركة الأولى إدوارد مويبريدج، واختفى لويس لو برانس في القطار، وأَلقى إميل رينو -صاحب أول فيلم أنيمشن في التاريخ- جميعَ اختراعاته في النهر، وواجه إديسون وزميله ديكسون العديد من المشكلات في تسجيل الصور وتشغيلها، وانتهى الأمر بجورج إيستمان مخترع السيلوليت منتحرًا بإطلاق النار على نفسه عام 1932، وهو ما يذكره ديفيد برودويل في كتابه الشهير "مقدمة في تاريخ السينما"


وفي النهاية، الأخوان لوميير هما من غيَّرا العالم باختراع أول كاميرا فيديو (السينماتوغراف)، وهي جهاز ثلاثي يحتوي على كاميرا وطابعة وجهاز عرض. لهذا السبب أصبحا معروفين، ليس فقط كمخترعي التصوير السينمائي، ولكن أيضًا كأول من صنع فيلمًا في تاريخ السينما. لذا يمكن القول إن فن السينما بالتأكيد ابن العلم بنسبة مائة بالمائة، والذي ولد لنقل الثقافة بين الحضارات وغيَّر القرن العشرين.



بعد كل الجهود السابقة، تطورت الفوتوغرافيا، وأصبحنا قادرين على صناعة منتج متحرك، ثم جاءت البداية الفعلية، التي تمثلت في ظهور السينما كفن، من خلال مجموعة أفلام قصيرة عرضها الأخوان لوميير في الثامن والعشرين من ديسمبر عام 1895، في قاعة عرض صغيرة بمقهى (جراند كافيه) في باريس.


 وقد تضمن البرنامج الذي عرضه الأخوان مجموعة مكونة من عشرة أفلام قصيرة؛ جميعها من قلب الحياة اليومية، فمرة نرى مجموعة من العمال يغادرون مصنعًا، ومرة نرى عربة يَجرُّها حصان، أو بستاني يسقي الزرع. وبذلك يمكننا القول إن أول تيمة سينمائية وُجدت هي سينما الحياة اليومية، فكانت سينما توثيقية، تحتفظ باللقطة، وتُمجِّد العين والذاكرة باعتبارهما الشاهد على الحياة اليومية للإنسان العادي -إنسان الشارع والإنسان العامل- وبذلك كانت العروض مُستساغة ومألوفة للجمهور. 


وقد قام الأخوان لوميير بعرض أفلامهما في غرفة صغيرة تُسمَّى "صالون إنديان" في (Grand Café)في باريس، وبذلك يُعتبر صالون إنديان بمثابة أول قاعة عرض سينمائية في العالم. عقب ذلك الحدث، تحديدًا في يناير من العام التالي )1896)، حدث ما هو أهم للأخوين لوميير، إذ عُرض فيلم "The arrival of a Train " والذي يصوِّر لحظة وصول قطار إلى المحطة، وكانت المفاجأة أن الجمهور تعرَّض للصدمة فور رؤية القطار مُتجهًا صوبه خوفًا من اصطدام القطار الآتي من شاشة العرض. ليذيع بعد ذلك صيت السينما في جميع أنحاء العالم، بأنها منبع للدهشة والسحر. جدير بالذكر أن تلك الواقعة يشار إلى المبالغة في وصفها؛ فما حدث هو أن الجمهور تفاجأ، لكنه لم يُصدَم ولم يقم بالجري خارج القاعة، إذ كان جمهورًا مُثقَّفًا من الطبقة الأرستقراطية، مُهيَّئًا بشكلٍ ما لتلقي الأمر.


تأسيس النوع: السينما بعيدًا عن التوثيق


لم يقتصر السحر على ما فعله الأخوان فقط، بل امتد لتطاله يد ساحر حقيقي اسمه (جورج ميلييه). ولكن قبل ذكر ميلييه الذي اعتُبِرَ رائدًا لسينما الخيال العلمي والفانتازيا، وبمناسبة الحديث عن التيمات السينمائية، فلا بُد من المرور على مجموعة من التجارب التي مهَّدت وأسَّست لما نسميه اليوم بـ"الجونرا - النوع السينمائي". تلك التجارب التي انحصرت بين الأعوام 1896 و1903، وكانت أغلبها من إنتاج شركة إديسون:


" (1896) The May Irwin Kiss"، وهو فيلم يُعيد فيه زوجان تقبيل بعضهما بحميمية ولطف أمام الكاميرا، وبذلك يحتوي الفيلم على أول قبلة في تاريخ السينما. ولكن بعد انتشاره تعرَّض الفيلم للكثير من النقد من السلطات الدينية باعتباره محتوىً فاضحًا وغير لائق.


" (1897) The Corbett-Fitzsimmons Fight"، وهو عبارة عن توثيق لمباراة ملاكمة استمرت مائة دقيقة، وبذلك فهو فيلم متفرد بطوله في تلك الحقبة، ويعدُّه البعضُ بمثابة أول فيلم روائي طويل.


Admiral Cigarette (1897) ” "، وهو فيلم مدته ثمانٍ وعشرون دقيقة، ويُعدُّ الأول من نوعه لأنه أول فيلم دعائي للشركة، وكان يَعرِض حملةً إعلانيةً لشركة سجائر تُسمَّى: " Admiral Cigarette company". واحتل الفيلم لوحة إعلانية كبيرة يمسكها بعض الرجال، مُدوَّنةً عليها: We all smoke.


"Fire (1901) "، وهو أول فيلم أكشن في السينما، وعُدَّ من الأفلام الرائدة التي جمعت بين التصوير الداخلي (في الاستوديو) والخارجي في الشارع، ويعرض الفيلم محاولة رجال الإطفاء إنقاذ رجل وطفله من حريق.


" History of crime (1901)"، وهو أول فيلم جريمة في السينما مع ميزتين، هما: استخدام الفلاش باك والسرد غير الخطي، فيبدأ الفيلم بعرض جريمة القتل ومن ثم اقتياد المجرم إلى السجن، ليبدأ المجرم في تذكر ماضيه، قبل أن يُقاد إلى الإعدام.


"The great train robbery (1903)"، والذي يُعتبر أول فيلم ويستيرن، كما رأى بعض المنظِّرين أنه أول فيلم روائي طويل في تاريخ السينما بمدة تصل إلى 13 دقيقة، إلى جانب فيلم ميلييه "رحلة إلى القمر" والذي صدر عام 1902. وتجدر الإشارة إلى فيلمين ويستيرن سبقا فيلم سرقة القطار الكبرى، هما: "Cripple Creek Bar-Room scene" الصادر عام 1899 ومن إخراج كيندي ديكسون، وفيلم

 "Poker at dawson city (1899) ". وقد نال فيلم سرقة القطار الكبرى شرف أول إعادة إنتاج في السينما على الإطلاق، وصُنِعَت نسخة جديدة له سنة 1904 على يد المخرج سيجموند لوبين.


أما بالنسبة للكوميديا، فلا ننسى أفلام لو برانس الأولى وأفلام الأخوين لوميير، تحديدًا فيلمهما: 

"L’Arroseur Arrosé (1895) ".


رجوعًا إلى العام 1897 وإلى ميلييه، نجد حدثًا بارزًا ما يزال مُلتصقًا بالسينما إلى اليوم؛ هو

انتشار مقاس 35 ملِّيمتر الذي اخترعه ويليام كينيدي ديكسون تحت إشراف إديسون، ليُستَخدم لاحقًا في صناعة الأفلام والرسوم المتحركة، ويُعتَمَد فيما بعد بسنين قليلة كمقاس عالمي في صناعة السينما حتى وقتنا هذا. في نفس العام أُنشئ أول استوديو سينمائي يستخدم الإضاءة الصناعية، من قِبل المخرج الفرنسي جورج ميلييه؛ وهو استوديو كامل مصنوع من الزجاج، ويمكن القول إن ميلييه خطرت على باله تلك الفكرة بسبب شغفه الرئيسي، إذ كان مُشتغلًا بالسحر، فأضاف لذلك الاستوديو الستائر وغيرها من الأدوات، فبدا استوديو ميلييه أشبه بمسرح الساحر، يمارس فيه ألاعيبه وخدعه كيفما شاء.


عُرف جورج ميلييه بفيلمه الأشهر "A trip to the moon " الصادر عام 1902، ويقصر الكثيرون دور ميلييه وتأثيره على صناعة السينما في ذلك الفيلم، الذي ليس بقليل بالطبع؛ فهو فيلم الخيال العلمي الأول من نوعه، لذا فهو فيلم رائد لِتِيمةٍ مُستمرة حتى الآن، وتتطور يومًا بعد يوم. لكن ميلييه لم يكن مُخرجًا فقط، بل كان ممثلًا ومؤديًا للخدع السحرية على الشاشة، ومُنتجًا لأفلامه، وهو أول من بدأ تلوين الأفلام برفقة زوجته، وقد رأينا جميعًا مزيج الألوان الرائع والمدهش الذي اختاره ميلييه وهو يتجلَّى في فيلمه الفانتازي :"The Kingdom of the Fairies (1903)".


  كما برع ميلييه أيضًا في استخدام الخدع التقنية والمؤثرات البصرية، واكتشف بعض ألاعيب المونتاج مثل الـ (Dissolve- jump cut)، وكان فيلمه "رحلة إلى القمر" بالإضافة إلى كونه أول فيلم خيال علمي من نوعه من أوائل الأفلام التي قامت على أعمال أدبية، إذ اقتُبس من روايتيْ: "Around the moon " و "From the Earth to the Moon " للكاتب (جول فيرن) ورواية "The First Men in the Moon " لـ (هاربرت والاس).


 وجدير بالذكر أنه قبل المزيج الأدبي الرائع الناتج عن محاولة ميلييه، جَرَت في عام 1899 محاولة سابقة لنقل أدب شكسبير إلى السينما، وتمثلت تلك المحاولة في فيلم" "King Johnلكلٍّ من: (والتر داندو) و(هربرت بيربوهيم) و (كينيدي ديكسون) مُخترع مقياس الـ 35 ملِّيمتر. وكان الفيلم عبارة عن محاكاة لأربعة مشاهد من مسرحية بنفس الاسم لشكسبير، وللأسف لم يتبقَّ منها سوى مشهد واحد. أما عن أول محاولة حقيقية لنقل الأدب إلى السينما فكانت من خلال فيلم "Trilby and Little Billee" الصادر عام 1896، والمقتبس عن رواية بعنوان "Trilby"صدرت قبلها بسنتين.


 كانت هذه بإيجاز المحاولات الأولى لولادة الفن الناشئ، ولقد كانت جميعها محاولات لخلق عالم جديد، بإمكانيات شديدة المحدودية، مُقتصرة على مجموعة صغيرة من المبدعين، وشركات إنتاج مُحتكِرة للصناعة. ولكن بعد انقضاء العشر سنين الأولى من القرن العشرين، انفتح العالم أجمع على السينما، وتم الترحيب والاعتراف بها كفنٍّ حقيقيٍّ يستطيع أن يُعبِّر بكل صدق عن الأفكار والمعاناة ووجود الإنسان. ولذلك يمكننا القول إن بداية التعبير الحقيقي للسينما كانت بعد انقضاء أول عشر سنين من القرن العشرين، وكان (جريفيث) هو البداية.


السينما الروائية تصك قواعدها: السينما كانعكاس أيديولوجي وجمالي


من بين رواد السينما الذين لعبوا دورًا أساسيًّا في تطوير اللغة السينمائية هو المخرج الأمريكي (دايفيد جريفيث)، فإلى جانب تأثيره المباشر، استكشف بأعماله إمكانات السينما، وألهم إلى جانب العديد من صناع الأفلام، الجيلَ القادم من صانعي الأفلام، الذين شكلوا الأساس لأفلام اليوم. بعد إنتاج نحو 500 فيلم قصير بين عامي 1908 و1914 مع شركة (Biography) -وهي شركة أمريكية حديثة التأسيس وقتها- حاول جريفيث في عام 1915 أن يُثبت من خلال فيلم "ولادة أمة -The Birth of a Nation"، أن السينما لم تعد مجرد وسيلة ترفيه، بل يمكن أن تحل محل الأدب للجمهور العادي بلغتها الخاصة، وأنه يمكن كتابة التاريخ بالضوء والصورة وإن كان بالتزوير، لأن هذا الفيلم هو أيضًا أول عمل عنصري في تاريخ السينما. لكن الشركة رفضت أن تنتج أفلامًا طويلة، بدعوى أنها لن تشهد نجاحًا. لذا فقد ترك الشركة وقرر أن يُنتج بنفسه الفيلم الفارق في مسيرته، فأنشأ مع صديقٍ له شركة صغيرة أطلقا عليها اسم: " David W. Griffith Corp. & Epoch Producing Corporation". 


جرَّب جريفيث مجموعة متنوعة من تقنيات سرد القصص في "ولادة أمة" سنة 1915، وبعدها في فيلم "عدم التسامح " سنة 1916. جدير بالذكر أن جريفيث لم يكن بالضبط هو أول من حاول إيجاد طريقة سرد مغايرة أقرب إلى الروائية، بل سبقته بعقدين المخرجة الفرنسية "Alice Guy-Blaché". لم يتم الاعتراف بفضل بلاشيه على السينما إلا في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي مع ظهور النقد النسوي وتحديدًا مع مجلة "السينما والمرأة – Women and film" في أمريكا، ولم تذكر قبلها إلا بشكل عابر في مراجع قليلة، منها كتاب جورج سادول "تاريخ السينما في العالم"





كانت أليس أول مخرجة عرفتها السينما، وقد بدأت العمل في صناعة السينما عام 1896 بفيلم "La Fée aux Choux"، بالإنجليزية: "The Cabbage Fairy". ويعرض الفيلم امرأة جميلة، أشبه بجنّيّة ساحرة، تُرحِّب بنبات الكرنب الذي بدأ ازدهاره، لتبدو وكأنها تؤدي طقوسًا ما، احتفالًا بقدوم تلك النباتات، وبشكل أو بآخر يبدو ذلك احتفاءً بالحياة وهبة الوجود. واستمرت أليس أكثر من عشر سنوات بصفتها المخرجة السينمائية الوحيدة، حتى دخول النساء بشكل أكبر إلى صناعة السينما بعد توسعها. وهناك فيلم آخر شديد الأهمية لأليس، ويعتبره المنظِّرون أول فيلم روائي بصبغة شاعرية، هو فيلم "Falling Leaves" الصادر عام 1912، وفيه يُخبر الطبيب أهل شابة مريضة بأنها ستموت فور تساقط كل أوراق الشجر، فتقوم أختها الصغيرة بمحاولة منع كل أوراق الشجر من التساقط عن طريق تعليقها مجددًا، إيمانًا منها بأن أختها هكذا لن تموت. 

لقد وصفها المخرج "Mark Cousins" مخرج سلسلة "The Story of Film: An Odyssey"، بأنها لم تكن أول مخرجة امرأة فحسب، بل كذلك هي مِن أوائل مَن وضعوا لمساتهم الشاعرية على الأفلام.


وبالرجوع إلى جريفيث - والذي أطلق عليه "أب التقنية في السينما" - إلى جانب لقب "الرجل الذي ابتكر هوليوود" - وفيلمه "ولادة أمة" - نجد أن الفيلم على الرغم من كونه عنصريًا، بل ويمكن اعتباره عملاً فاشيًّا أيضًا، إلا أنه شهادة على حقيقة أن السينما لا ينبغي اختزالها في محتوى، بل في شكل العمل الذي يخلده، ولقد ساهم جريفيث أكثر من أي فنان آخر في إنشاء لغة سرد خاصة بالسينما. فبعد أن كانت من الناحية الجمالية مجرد أداة مُسلّية، أصبحت تعبيرًا فنيًّا كاملًا. 


وكنقطة تحول في السينما الأمريكية والعالمية، فتح "ولادة أمة" بابًا جديدًا للسينما. فعلى الرغم من أن أفلامًا روائية كثيرة أُنتجت في جميع أنحاء العالم قبل إنتاج هذا الفيلم، إلا أنه لم يصل أي فيلم منها في ذلك الوقت إلى المستوى الفني الذي وصل إليه "ولادة أمة"؛ فلم يُطوِّر أيٌّ منهم قوة السينما، ولم يستطع أيٌّ منهم أن يكشف أن مستقبل السينما هو الأفلام الروائية. كل ذلك في زمن كانت فيه معظم الأفلام تزيد قليلًا عن عشرين دقيقة. 

بالاعتماد على إحساس سردي قوي ورؤية ملحمية، أصبح الفيلم أول فيلم ضخم في هوليوود والسينما بشكل عام. ويُعتبر جريفيث أبا السينما بسبب ابتكاراته العديدة، ففي هذا الفيلم ابتكر خاصية التقريب والتجميع (Close – up)، وذلك عندما أراد جريفيث إظهار حزن الشخصية الرئيسية، فجعل الكاميرا أقرب إلى الوجه، ويُقال إن هذا التقريب لم يقم به أحد من قبل. وهو ما أكد عليه ديفيد برودويل في كتابه، فأشار إلى أن جريفيث هو أول من أسس قواعد المونتاج الكلاسيكي.



يمكن اعتبار "ولادة أمة" من أهم الأفلام التي غيَّرت المواقف تجاه السينما، وأولئك الذين اعتبروها هواية فجّة، أدركوا بعد صدور الفيلم أهمية وخطورة الوسيط السينمائي. وبعد فيلم ولادة أمة بعام واحد، أبهر جريفيث العالم بفيلم روائي ثانٍ، مناقضًا فيلم "ولادة أمة" الذي انتُقِدَ بشدة ووُصِمَ بالعنصرية لأنه يُمجِّد الأمريكيين البيض على حساب السود المجرمين، باعتبارهم السبب في الحرب الأهلية آنذاك. وكان الفيلم الثاني هو "Intolerance" الصادر عام 1916.


ربما كان فيلمه الثاني بمثابة رسالة اعتذار، أحس جريفيث بأنه مدين بتقديمها، يرصد فيها تبعات عدم التسامح ونبذ الحب في أربع حقب مختلفة، منها ثلاثة أحداث تاريخية فارقة: سقوط بابل القديمة، صلب المسيح، مذبحة القديس بارثولوميو خلال عصر النهضة. وأول حدث تمثَّل في شاب محكوم عليه بالإعدام بتهمة قتل رفيقه.

 لم يكتفِ جريفيث في فيلمه بتقديم أربعة أحداث فقط بشكل متوازٍ، بل اعتمد على تقنية جديدة كُليًّا في السرد، وهي السرد المتقطع غير الخطي، فينتقل بسلاسة بين الأزمنة جاعلًا الأمر يبدو كما لو أن الأحداث كلها تدور في زمن واحد، كأن التاريخ بأكمله هو لحظة آنية يُعاني فيها الإنسان تبعات عدم تسامحه مع الآخر ويرصُد بنفسه آثار كراهيته لكل مختلف عنه. كما أضاف أيضًا مشهدًا متكررًا مُنفصلًا عن الأزمنة المذكورة، لأُمٍّ تهز سرير طفلها الصغير ويقطع هذا المشهد الأحداث والأزمنة في كل مرة؛ ليصبح التاريخ نفسه مُتمثِّلًا في الأم والإنسانية مُتمثِّلة في الطفل، والأم (التاريخ) ترعى طفلها وتشهد على تطوره.  


 لم يكتف جريفيث بذلك، بل استخدم الألوان وطوَّعها في خدمة سرديته؛ لينتقل بسهولة بين الأزمنة مع الحفاظ على تصاعدها تدريجيًا بشكلٍ متوازٍ، وينجح في النهاية في تقديم رسالته؛ وهي أهمية التسامح والحب كضرورة يعمُّ بها السلامُ العالمَ.


ويُشهد لجريفيث بقدرته الفذَّة على محافظته على وحدة موضوعه، ولكن ما يعيب الفيلم هو وعظيته المباشرة، ومثاليته المبالغ فيها. أمَّا على المستوى التقني فالفيلم وصل إلى حدٍّ رائع من الإتقان، لدرجة أن كثيرين تأثروا به في أعمالهم. مثلًا؛ نرى التأثر الواضح بجريفيث في فيلم "المدرعة بوتمكين" لسيرجى آيزنشتاين: مشهد سلالم أوديسا، والكلوز آب على الوجوه المذعورة، اللقطات الواسعة، والتحريك المتقن لمجاميع الممثلين. كل هذا كان لجريفيث السبق في رصده والتقاطه.


وذهب بما قدَّمه في هذين الفيلمين إلى ما هو أبعد من القاموس التقليدي في عصره، إلى أن ظهرت عبقرية الألمان، الذين استخدموا سلاح حركتهم التعبيرية، والتي اقتصرت آنذاك على الرسم والتصوير في عالم السينما، لتدخل السينما حقبة جديدة مثيرة للجدل والدهشة.


التعبيرية الألمانية: تطرف في الأيديولوجيا وفي الجماليات معًا


التعبيرية هي مدرسة فنية تم تشكيلها في مواجهة الحركات الانطباعية والواقعية. فالواقعية، كما نعرفها، قد رسخ مفهومها مع بداية عصر النهضة. والانطباعية، مما رأيناه مع كلود مونيه ورفاقه، هي رؤية/سردية مُغايرة لعالم الأشياء والطبيعة. أما في التعبيرية، فقد أخذت العاطفة الأسبقية وتفوقت على الواقعية، في استفاضتها واستغراقها في العاطفة الشخصية، والتعبير عن جوهر العالم والأشياء. وتُعدُّ "التعبيرية السينمائية" واحدة من أوائل المدارس وأكثرها جدية في تاريخ السينما، والتي حددت لأول مرة هذه المبادئ والخصائص كأساس عام يوجد في معظم الأعمال التعبيرية تقريبًا. على سبيل المثال، فإن البيئة والأجواء لمعظم الأعمال التعبيرية قوطية، وغريبة، ومرعبة.


وذهابًا إلى الضوء، وهو العنصر الأهم المشترك بين الفن التشكيلي والسينما، التي تُعرف بـ "فن الرسم بالضوء"، ففي التعبيرية تكون الإضاءة شديدة الصعوبة ومليئة بالتباين، والظلال حادة وقاسية ومكسورة، وغالبًا ما تُستخدم الأشكال الهندسية لتصميم الضوء والمشاهد. فمثلًا نرى تركيزًا كبيرًا على رصد الأماكن الضيقة في الشوارع، والأزقة، والبيوت؛ ليجد الأبطال أنفسهم دومًا مُحاصرين. أما المكياج المستخدم على وجوههم فيكون مبالغاً فيه للغاية. وبالطبع هذا العالم يعكس بدوره العالم الداخلي لأشخاص مضطربين، فهو عالم معقد يزداد ضيقًا وخنقًا لأبطاله المسوخ، فنراه غريبًا في تركيبه على غير المعتاد. وهنا كان للفن التكعيبي دور كبير في التأثير على رواد التعبيرية. طغت تلك الروح على أفلام التعبيرية، ولم يقتصر اتفاق مخرجي الأفلام على كونهم متشائمين ذوي أفكار سوداوية، بل اشترك الرواد في عدة تيمات، فتميَّزت تلك الأفلام شكلانيًا عن غيرها من أفلام تلك الحقبة. 



من ناحيةٍ أخرى، ترك معظمُ كُتَّابِ السيناريو التعبيريين السيناريوهات مفتوحة واستخدموا قصصًا معقدة ومتشابكة. عادةً ما تُجسِّد أعمال هذا الأسلوب العالمَ العقلي للأشخاص المجانين، أو روايات سابقة في أماكن غريبة، متأثرة في الغالب بالأدب القوطي.

 

ولتأصيل التعبيرية الألمانية يجب دومًا الرجوع إلى التاريخ، فقبل الحرب العالمية الأولى كانت السينما الألمانية أقل تقدمًا من نظيراتها في دول أوروبا، على الرغم من أن الأخوين "سكلادانوفسكي" قاما بعرض فيلم مقابل مبلغ مالي للجمهور في الأول من نوفمبر عام 1895 في برلين، وذلك بعد اختراعهما لجهاز عرض صور متحركة يسمى "Bioscope"؛ وهي كلمة يونانية الأصل تعني "أن ترى الحياة". يعني ذلك أن الأخوان الألمانيان سبقا الأخوين لوميير بشهور قبل عرض مقهى باريس من السنة نفسها، وهو ما يذكره المؤرخ الألماني "هينريك فرايبرغر" مع إشادته بجهاز السينما توغراف (جهاز عرض الأخوان لوميير). 

 

رغم ذلك إلا أن صناعة السينما الألمانية لم تتطور إلا بعد خمسة عشر عامًا، ويقال إنها حتى ذلك الوقت لم تقدم إلا أفلام "البورن"؛ أي ما يعرف بالإباحية. وربما أحد كان أحد أسباب هذا النقص في التطور، هو أن السينما في ألمانيا أصبحت المنبع الثقافي للأُميين والمشردين والعاطلين عن العمل. بعد تلك المرحلة، أخذ المتعلمون والمثقفون موضوع السينما وصناعة الأفلام على محمل الجد. ويرجع الفضل الأول في تطور السينما الألمانية إلى شركة (Universum Film Aktiengesellschaft) التي عرفت بالاختصار " UFA". 


وحظيت هذه الشركة بأكبر دعم مالي في ذلك الوقت، وكان لديها أفضل المعدات والفنيين في العالم بعد هوليوود، حتى أن هذه الفترة من السينما الألمانية تُسمَّى العصر الذهبي الكلاسيكي لألمانيا. وكثيرا ما يقال إن السينما الألمانية وُلدت كشكلٍ فنيٍّ مع تأسيس شركة UFA، التي كان لديها أكبر وأوسع استوديو فردي في أوروبا قبل الحرب العالمية الثانية. وغالبًا ما يُقال أيضا إن UFA احتكرت السينما الألمانية في عشرينيات القرن الماضي، ولكن في نهاية العشرينيات عملت كموزع أفلام للشركات الصغيرة أكثر من كونها منتجًا مستقلًا. لذا فإن أحد أسباب ظهور التعبيرية هو أن الأفلام القليلة التي أنتجتها UFA في تلك الفترة كلها تقريبًا من كلاسيكيات السينما، ما يُعرف بالعصر الذهبي لألمانيا. وكانت UFA مسؤولة بشكل شبه مباشر عن ولادة السينما الألمانية الجديدة المرتبطة مباشرة بموجة ثورية من الحماسة الفكرية، والتي اجتاحت ألمانيا في بداية الحرب. 


 تم العثور على الشكل الرسمي للسينما التعبيرية في السينما الألمانية بعد الحرب العالمية الأولى، عندما هُزم الشعب الألماني وشعر بالإهانة بقبوله معاهدة "فرساي". سبَّب ذلك إحباطًا كبيرًا للشارع الألماني، خاصةً في عام 1919 عندما اغتيل كلٌّ من روزا لوكسمبورج وكارل ليبكخنت. في العام نفسه تولَّت شركة إنتاج صغيرة مهمة صنع سيناريو غير عادي من قِبل اثنين من الكُتَّاب الشباب غير المعروفيْن، هما (كارل ماير، وهانز يانوفيتز). وتعاقدت مع ثلاثة رسامين تعبيريين مشهورين لتصميم الفيلم، هم (هيرمان وورم، ووالتر ريمان، ووالتر روهريك)، والذين اقترحوا أن يُصوَّر بالأسلوب التعبيري. 


كان الفيلم هو "The cabinet of Dr. Caligari- عيادة الدكتور كاليجاري"، الذي أخرجه (روبرت فيني)، ويُعدَّ أشهر أفلام التعبيرية إلى يومنا هذا، ومن أيقونات السينما المتفردة على مدار تاريخها. إذ حقَّق نجاحًا كبيرًا، ليس محليًّا فقط، بل في جميع أنحاء العالم، وكان يجمع كل ميزات الفيلم التعبيري، مثل المكياج المبالغ فيه، الديكورات الداخلية المعقدة، الأشكال المثلثية، الإضاءة الشديدة عالية التباين. بالإضافة إلى قصة متداخلة مع قصة أخرى.


 يصف الناقد (بول روتا) الفيلم بأنه عبارة عن نقطة نبيذ في محيط من الماء المالح، حتى أنه يعتبر الفيلم الهام "مولد أمة" لجريفيث فيلمًا باهتًا مقارنة بالأطروحات التي وُجدت بـعيادة الدكتور كاليجاري. كما يصنفه النقاد واحدًا من بين الفيلمين اللذين كان لهما التأثير الأكبر في صناعة السينما حتى يومنا هذا، والفيلم الثاني المقصود هو "المدرعة بوتمكين" لآيزنشتاين. لكن على الرغم من أن "عيادة الدكتور كاليجاري" يُعدُّ البوابة الصريحة لعالم السينما التعبيرية، إلا أنه ليس الأول من نوعه، بل يَعتبر العديد من مُحلّلي تاريخ السينما أن فيلم "Student of Prague" الصادر عام 1913 هو أول مثال معروف للسينما التعبيرية. الفيلم الذي استغرق نحو 40 دقيقة في ذلك الوقت (صدر لاحقًا في نسخته الحالية ومدتها 83 دقيقة)، والفيلم قصة مقتبسة من قصص (ألان بو) تُجسِّد حياة فقير من براغ أعطى صورته لشخص غامض مقابل الثروة والنجاح، وقد خلق هذا الشخص الغامض أيضًا صورة الطالب وأصبح رفيقًا شريرًا له. 


بحلول عام 1920 أُعلن عن ميلاد السينما التعبيريَّة، كحركة سينمائية ذات صيت وحضور بارز، واعتبرت المدرسة حركة فنية سينمائية متفردة، وانضمَّ إليها العديد من المخرجين مثل: (إف دابليو مورناو، وبول ليني، وفريتز لانج). وظهرت العديد من التحف السينمائية التي عُدَّت أيقونات سينمائية إلى اليوم، منها على سبيل المثال لا الحصر " Faust 1926، Nosferatu 1922، The last laugh 1924، Metropolis 1927". المُشترك بين تلك الأعمال هو كون الأبطال في حالة تيه مستمر؛ اغتراب وانفصام كامل، وذلك الاضطراب لا ينعكس على سلوكهم فحسب، بل يمتد ليشمل العالم من حولهم، ليبدو بكل ذلك التعقيد، ويعكس العالم الضيق بدوره عالمًا منتهيًا وبلا ماهية، محكومًا من قِبل سلطة غاشمة. ويرجع الفضل في ذلك الشكل الاحترافي الطليعي إلى هؤلاء التشكيليين الذين عملوا كمصممي ديكور في المسرح قبل السينما، وهم (هانز بولزيج، هانز دراير، هيرمان وارم، والتر روهرج، وأوتو هنت). من ذلك يتبيَّن أن ديكورات التعبيرية الألمانية ظهرت في المسرح قبل السينما. كما تبرز الألوان بدورها لتصف بتطرفها مدى بشاعة ذلك العالم وتيه أبطاله، فيبدو اللون دومًا غير مستقر. وتعبِّر الظلال أيضًا عن مدى شعور هؤلاء الأبطال بالتمزق، بين رغباتهم المترسِّخة في اللاوعي والتي تنادي بالتحرر، وبين واقع مستمر في تكبيلهم وفرض قيوده عنوةً، ويرجع الفضل في ذلك إلى مُديري التصوير البارعين أمثال (ويلي هاميستر: مصور "كاليجاري"، وفريتز آرنو فاجنر: مصور "نوسفيراتو" و "M"). 




اشترك الرواد أيضًا في رؤيتهم لإنسان تلك الحقبة -مثل فناني الرسم مع لوحاتهم- على أنه مجرد انسان مشوَّه، ونتاج للقمع، ولذلك فهو فاقد لآدميته ووعيه، يتحرك ببطء، كأنه منساق لمصير مجهول، يتجلَّى ذلك في أفلام مثل (Nosferatu) لمورناو، و(Metropolis) لفريتز لانج و(Golem) لبول فيجنر، حيث نرى شخصيات ممسوخة؛ دُمى وآلات، مصَّاصي دماء ومجانين. ولم يكن ذلك مجرد تأثر أدبي وتفضيل لقصص المسوخ، كفرانكشتاين ودراكولا وقصص الأميرة والوحش، وإنما لم يجد الرواد انعكاسا للحالة المُزرية التي يعيشونها سوى في ذلك النوع من الأدب. إذ كان الانتهاء إلى تلك الحالة هو نتاج طبيعي لما عانى منه المجتمع الألماني حينها، ولذلك نرى في أعمال التعبيرية الألمانية حالة مُتطرِّفة من البارانويا، التي سيطرت على أفلام تلك الحقبة. 


تلك البارانويا لا تُعبِّر إلا عن تخوّف من مستقبل مظلم، وعن هوس مُهيمن. أمَّا بالنظر إلى طبيعة تلك الأفلام، ربما نجد تنبؤًا بما سيصير الأمر إليه لاحقًا؛ ففي فيلم "عيادة الدكتور كاليجاري" نرى تصورًا دقيقًا لمستقبل النازية. الطبيب في ذلك الفيلم لا يختلف أبدًا عن نموذج (آدولف هتلر)؛ مولع بالتحكم والسيطرة، وهو في النهاية عبارة عن مخبول، منفصم. ولم يكن الانفصام مُقتصرًا على عيادة الدكتور كاليجاري فقط، بل امتد أثره لأفلام مثل "M" الصادر عام 1931 لفريتز لانج، وتسرب لأفلام مثل "Raskolniko" لروبرت وين المأخوذ عن رواية دوستويفسكي "الجريمة والعقاب" ,والصادر عام 1923، وفيلم "Faust" لمورناو المأخوذ عن رواية "فاوست" لجوته. والمثير للانتباه في أفلام تلك الحقبة أنها صُنعت لإلهاء العامة عن إحباطهم، كطريقةٍ للهرب من تلك المآسي. ولكنها في النهاية، وبطريقةٍ ما مثلت ما يشبه المرآة لذلك الواقع المقيت. 


مرورًا بتجارب الرواد في العشرينيات، ونتيجةً للتدُّرج الطبيعي، يبدو فيلم "Metropolis" لفريتز لانج وكأنه ينتمي لزمن آخر. كان ذلك في البدء نابعًا من رغبة UFA في مجابهة سوق السينما في العالم، ولذلك يبدو فيلم متروبولس على عكس أفلام التعبيرية؛ مكلِّفًا، مهتمًا بالتقنية وله تطلعات أكبر. أما الدافع الثاني فكان قوميًّا، نابعًا من صميم الشعب الألماني نفسه. وبالنظر إلى الولايات المتحدة، لم تكن ألمانيا تُضاهيها من ناحية التكنولوجيا والاقتصاد، ولا حتى في مجال السينما: مِن آلات تصوير ومُعدات وغيرها. لذلك كله يُشار إلى فيلم متروبولس بأنه فيلم ينتمي إلى نهاية حقبة ڤايمار، ليس لأسباب سياسية فحسب- إذ سبق ظهور النازية بعدة سنوات- بل لاختلافه شكلًا ومضمونًا عن الفيلم التعبيري في بداية حقبة ڤايمار. 

متروبولس لا يختلف كثيرًا في تصوره المبدئي عن إنسان المستقبل الذي تحوَّل بفعل السلطة أو المجتمع إلى مسخ، هنا فقط تحلُّ الآلة محل ذلك المسخ، وإحلال الآلة محل المسخ مُفارَقةٌ تُوضِّح الفارق بين تصور لانج عن المستقبل وتصور رواد الفترة الأولى من حقبة ڤايمار ( مورناو ووين). فتصور هؤلاء الرواد مبني على أدب القرن التاسع عشر؛ قصص الرعب القوطية والأساطير؛ بمعنى أنها رؤية مبنية أكثر على رصد التاريخ والماضي. أمَّا لانج فيرى ذلك المسخ بعين واعية جيدًا لواقعها المعاش وعصر التقدم، من ناحية الاختراعات والتكنولوجيا، ولذلك كان من الطبيعي إحلال الآلة، الواعية تمامًا، محل ذلك المسخ.


ينطبق ذلك أيضًا على فيلم فريتز لانج (M) الصادر عام 1931، فهو مختلف عن الأفلام التعبيرية الأُولى من حقبة ڤايمر، إلا أنه يتلاقى معها في موضوعه من حيث أنه فيلم عن الجنون أيضًا؛ الانفصام للدقة، لكنه بعيد كل البعد عن كونه مُعبِّرًا عن حالة عامة، فهو يبتعد عن حالة الشارع والمجتمع ويُعبِّر عن المأساة الفردية، ويتناول موضوع الانفصام بشكل موضوعي وواقعي أكثر. حتى أن فكرته الرئيسية وهي عن قاتل متسلسل، ربما تبدو فكرة حداثية مقارنةً بما سبقه من أفلام، وبالطبع كون الفيلم ناطقًا كان كفيلًا بجعله مختلفًا كل الاختلاف عمَّا سبقه. ولكن في النهاية الفيلم يعكس حِرفيةَ سينمائيٍّ عبقريٍّ مثل لانج. 


السينما الإسكندنافية: صوت أوروبي مغاير ابتلعته هوليوود


لقد شهدت دول إسكندينافيا، على غرار بقية أوروبا، بدايات مُبكِّرة مع فن السينما في أواخر القرن التاسع عشر، حين عُرضت الأفلام الأُولى القادمة من فرنسا وألمانيا في مدن النرويج والدنمارك والسويد ثم فنلندا. وسرعان ما تحوَّلت هذه العروض إلى حافز لظهور محاولات محلية، فأُنشئت دور عرض صغيرة تبعتها إنتاجات روائية قصيرة حملت في معظمها بصمة مصورين ومغامرين فرديين، أكثر منها صناعة مُنظَّمة. ومع بدايات القرن العشرين أخذت فنلندا والنرويج والسويد خطوات تدريجية نحو تأسيس شركات إنتاج محدودة، إلا أن نشاطها ظل مُتقطِّعًا ومُتأثِّرًا بالأوضاع السياسية، خصوصًا السيطرة الروسية على فنلندا التي كبحت الإنتاج حتى استقلالها.


مع مطلع العشرينيات بدأت الملامح الأولى لصناعة سينمائية مُتماسكة في المنطقة، فظهرت أعمال مُقتبسة من الأدب المحلي أو المسرح، عكست الحياة الريفية والبيئة الإسكندنافية القاسية، وأرْسَت تقاليد بصرية واقعية تقترب من اليومي والطبيعي. ورغم قلة الإنتاج مُقارنةً ببلدان أوروبية كبرى، أسَّست تجاربًا لسينما قومية هادئة الملامح، تعتمد على المشاهد الطبيعية والقصص البسيطة.


أما الدنمارك فقد عرفتْ حضورًا مُبكِّرًا في تاريخ السينما الأوروبية؛ فمع بدايات القرن العشرين ظهرت أول دار عرض وتأسَّست شركات إنتاج ستصبح لاحقًا من بين الأهم عالميًا، وتميَّزت السينما الدنماركية في تلك المرحلة بجرأتها الموضوعية وتناولها قضايا مثيرة للجدل؛ مثل الرذيلة والعبودية والتمرُّد. إلى جانب ابتكارات جمالية في استخدام الإضاءة والظلال والانعكاسات، مما منح أفلامها توتُّرًا بصريًّا لافتًا وأثَّر في تيارات سينمائية لاحقة كالتعبيرية الألمانية، وهو ما نلحظه في أفلام المخرج (أوغست بلوم) الذي كان رائدًا بتناوله الرواية الشهيرة في فيلمه "دكتور جيكل ومستر هايد" الصادر عام 1910. 


كان بلوم من الأوائل الذين طوَّعوا الإضاءة لخدمة الفيلم بشكل فريد، عن طريق التلاعب بها؛ فكثرة الانعكاسات والظلال أعطت للمشاهد نوعًا مُختلفًا من الإثارة، يُوحي بالتوتر والقلق، وكان ذلك مناسبًا لأفلام الجريمة حينها، لذلك حتى رواد التعبيرية استلهموا من ألاعيبه في استخدام الأضواء والظلال. وشارك أوغست أيضًا في إخراج فيلم "Sealed Orders" الصادر عام 1914 مع المخرج (Benjamin Christensen)، وكان لكلٍّ مِن بنيامين كريستينسن وأوغست بلوم طُرق مختلفة في التصوير؛ الأبواب والمصاعد، إذ تُصوَّر من الداخل لا من الخارج كما كان متعارفًا حينها، والأضواء والانعكاسات وتطويع المرايا. ثم اتخذت السينما الدنماركية شكلًا جديدًا، أكثر تقنية وحرفية وغرائبية على يد المخرج الدنماركي (كارل ثيودور دراير). فتلك الروح التجريبية، التي انطلقت من استكشاف إمكانات الضوء والكاميرا وزوايا التصوير، مهَّدت لولادة أسلوب دنماركي مُتفرِّد، اكتمل لاحقًا مع دراير ومن تبعوه.


اشتهر دراير بفيلم "The Passion of Joan of Arc" الصادر عام 1928، وحتى الآن يظل فيلم "آلام جان دارك" لدراير تحفة من تحف السينما العالمية، ومن العلامات الأيقونية للفيلم الصامت.


أمَّا في السويد فأُنشئت شركة الإنتاج (سفنسك فيلمندستري) وكانت دمجًا بين شركتي ماجنوسون وسكانديا، اللتين أُسِّستا على أيدي رجال أعمال ومخرجين مسرحيين، ومُصوِّرين، أبرزهم المخرجة (Anna Hofman-Uddgren) وهي أول مخرجة سينمائية اسكندنافية، وقد تولَّت بدورها مُهمة أَفْلَمَة مسرحيات المؤلف المسرحي (أوجست سترنبرج). وبالطبع كانت المخرجة الفرنسية "Alice Guy-Blaché” تجربة مُشجِّعة لغيرها من النساء، فقد كانت -كما أسلفنا- أول مخرجة عرفتها السينما، وهي بمثابة مفتاح دخول النساء لعالم السينما.


ساعد أيضًا في لمعان اسم شركة الإنتاج كلٌّ من المخرج (Victor Sjöström) الذي سيبرز اسمه فيما بعد كأنجح مخرجي أوروبا وأكثرهم تأثيرًا، والمخرجيْن (Georg af Klercker، Mauritz Stiller) وبرز اسم تلك الشركة أكثر مع حلول عام 1920. وقد ساعد موقف السويد الحيادي أثناء الحرب العالمية الأولى في سهولة انتشار تلك الأفلام، حيث كانت بعض الدول الإسكندنافية تواجه صعوبة في الترويج لأفلامها كفنلندا والدنمارك، وكان الفضل في نجاح تلك الأفلام هو إبداع وتنوع كل من (سيستروم، وستيلر، وكليركر). فكان ستيلر يتميَّز بحبه للتهكم والنقد المجتمعي الساخر، ومعضلات العلاقات بين الجنسين، وماهية العاطفة. ولم تكن تلك التيمة من الأفكار مُنتشرة في ذلك الحين. وكان كليركر مُهتمًّا بالواقعية المجتمعية وبإعادة تقديم تلك التيمة التي قُدِّمت من قبل في الدنمارك على يد (Alfred Cohn) وهي سينما "الإثارة" كما يحب البعض تسميتها. أما سيستروم فكان له اتجاه آخر، وأخذ في التطور مع مرور السنين. 


ومع كل أعمال وتطورات السينما الإسكندنافية، ظهرت حركة مُثيرة للاهتمام والجدل تُقدِّس الطبيعة والماورائيات، سُمِّيَت بالميتافيزيقا الإسكندنافية. هذه الحركة من السينما الإسكندنافية في القرن العشرين، والتي قد تكون غريبة بعض الشيء، كانت مُتجذِّرةً في الأساطير الشعبية والدينية. ولطالما كانت هذه الفكرة حاضرة عند رواد الفن في شمال أوروبا، من (هنريك إبسن) إلى (كنوت هامسون) في الأدب، واستمرت في الظهور في السينما، حيث جذور التراث والأساطير الأصيلة والثقافة الغريبة في أعمال السويدي فيكتور سيستروم، والمخاوف الدينية للدنماركي كارل ثيودور دراير، وغيرهم من الرواد، والتي توضح هذا التيار الفكري في السينما الإسكندنافية. 


ويمكن اعتبار العديد من صُنَّاع الافلام الإسكندنافيين ضمن هذه الحركة، ولعل أبرزهم (كارل ثيودور دراير)، خاصةً بفيلمه "Ordet (1955)". هذا الفيلم هو أفضل فيلم لدراير بلا شك، فهو سابق لزمنه من حيث التناول والموضوع، وناضج كأدق وصف، وربما بشكلٍ ما هو امتداد أيضًا لأفلام مثل: "(Vampyr (1932"، "Day of wrath (1943)". ولكنه أكثر هدوءًا. إن فيلم "فامباير" مُتشابه كثيرًا مع نهج أفلام التعبيرية الألمانية، من حيث طريقة التصوير، والظلال والأضواء والأجواء، وحتى الموضوع يقترب كثيرًا من أفلام تلك الحركة. الاختلاف يكمن في البيئة التي اختارها دراير موضوعًا لفيلمه، وهي بيئة ريفية وبدائية أكثر منها حضارية؛ فالتعبيرية في النهاية كانت راصدة للمدينة أكثر، تهتم بالأزقة ومداخل المباني والسلالم الخلفية. ويمكن القول إن ذلك الفارق البسيط هو الاختلاف بين أفلام التعبيرية الألمانية وبين أفلام الميتافيزيقا الإسكندنافية، فهي سينما سوداوية ترصد الموت أكثر من الحياة، وتُعبِّر عن الطبيعة وغرابتها، وتهتم أكثر بالعالم الآخر والماورائيات.


 ويُعتبر السويدي فيكتور سيستروم من أهم رواد هذه الحركة، إن لم يكن الأهم. فقد كان له اتجاه آخر، أخذ في التطور مع مرور السنين ليبدأ أسلوبه السينمائي في الظهور عام 1917 مع فيلم "A Man There Was- الرجل الذي كان"، الفيلم المُقتبس من قصيدة بنفس الاسم للكاتب النرويجي هنريك ابسن، وهو بمثابة إعلان عن مخرج متفرد. يرصد الفيلم دواخل وصراعات البطل الرئيسي، وإحساسه بالمنفى والعزلة، فعبَّر سيستروم عن الصراع الباطني والأخلاقي لبطله، حتى الطبيعة بمفرداتها كانت تعبر عن ذلك الصراع أيضًا. وبشكلٍ ما يُمكن القول إن فيلم "الرجل الذي كان" هو أول فيلم رسَّخ مفهوم الميتافيزيقا الإسكندنافية، نتيجة المزج بين مفردات الطبيعة والصراع الداخلي للشخصية.


أما عن فيلمه "The Phantom Carriage" الصادر عام 1921، فيمكن القول إنه التجلِّي الصارخ للموجة الإسكندنافية وذروة السينما السويدية؛ فالفيلم يدور بالكامل في العالم الما ورائيّ؛ بعد الموت، ويُناقش فكرة الندم واستحالة الرجوع، فينجح في التلاعب بالمُشاهد، ليكون الشعور المنبثق منه هو القلق والتوتر والرثاء لحال البطل.


وبعد النجاح الكبير لمخرجين مثل سيستروم وستيلر وذيوع صيتهما في دول إسكندينافيا وأوروبا، تلقَّيا دعوات للعمل في هوليوود كأقرانهما في باقي دول أوروبا، مثل كارل دراير وفريتز لانج ومورناو، وغيرهم. 


بعد ذلك صدر فيلم "He who get slapped" عام 1924، وكان أول فيلم لسيستروم في هوليوود. وكان الفيلم سابقًا لعصره من حيث الموضوع، إذ يُوجِّه سيستروم نقدًا مُجتمعيًّا شديد السخرية، ليس لحيّزٍ مُجتمعيٍّ مُعين فقط، بل سخرية من سياسة العالم أجمع، فيظهر في الفيلم مجموعة من المهرِّجين يتحكَّمون في مصير الأرض تارةً، وتارةً أُخرى يلعب مُهرِّج بمُجسَّم لكوكب الأرض. وكذلك نجح سيستروم أيضًا في توثيق اسمه في هوليوود بفيلمه "The wind" عام 1929، والذي يؤكِّد من خلاله على تأثير العناصر الطبيعية، خاصةً الريح، على شخصياته. 

ونرى ذلك بوضوح في لقطات الطبيعة والرياح التي التُقِطَت في الصحراء، والتي تجعل المُشاهد ينغمس في جو الفيلم. وأيضًا نُشاهد في افتتاحية الفيلم مشهد نزول جيش من القطار تُهاجمه عاصفة، مما يؤكد على التصوير الواقعي للظواهر الطبيعية وردود الفعل النفسية للشخصية الرئيسة. كل ذلك بأسلوب سيستروم الذي يعتمد على الهدوء والبطء الشديد.


 وأخيرًا يصل الفيلم إلى نهاية سعيدة تماشيًا مع سينما هوليوود وأهداف الشركة المنتجة، على الرغم من أن الشخصية الرئيسة في الرواية الأصلية للكاتب (سكاربارو) تنتهي بنهاية مأساوية، وتخضع لحكم القَدَر الأليم.

 بعد فيلم الريح ودخول الصوت إلى عالم السينما، عاد سيستروم من أمريكا وقد فشل في مواكبة السينما الناطقة؛ ليقوم بصنع فيلميه الأخيرين في كلٍّ من السويد وإنجلترا. بعدها عاد إلى شغفه الأول؛ التمثيل. فمثَّل مع عدة مخرجين أوروبيين، ولعل أشهر أدواره كان مع (إنجمار بيرجمان) في فيلم "اندستري" من إنتاج شركة سفنسك، وعمل أيضًا كمستشار فني في الشركة. وآخر دور بارز لسيستروم في السينما كان في فيلم بيرجمان "الفراولة البرية" سنة 1957، وهو فيلم يمكن أن يُعدَّ تكريمًا لفيلم سيستروم "عربة الأشباح"، الذي كان سيرةً ذاتية مُصوَّرة لأفكاره عن الأحلام، وعن أشكال فشل البشرية، وتعبيرًا عن انبهاره الدائم بالطبيعة في تشكيل المشاعر الإنسانية.

 

بانطواء تلك الصفحة من حقبة العشرينيات التي مثَّلها سيستروم ورفاقه في أوروبا، التعبيرية الألمانية وحركة المونتاج السوفييتي، يَعتبر الكثيرون أن السينما كانت قد شَكَّلت أساساتها بالفعل ووصلت إلى أقصى مراحل تعبيرها، والتي ما زلنا نُعيد اكتشافها حتى اليوم. وقد أسهم في ذلك صُنَّاع السينما في بدايات القرن العشرين، حتى أصبحت السينما ناطقة. بذلك، فإن حقبة السينما الصامتة لم تكن مجرد مرحلة عابرة، أو بدائية كما يزعم البعض، بل هي الأساس الذي بُنيت عليه السينما كما نعرفها اليوم، وخاصة سينما هوليوود، الاسم الأكثر رواجًا.


- نشرت الورقة البحثية ضمن أبحاث ودراسات منصة سينماء الصادرة عن هيئة الأفلام السعودية، بتاريخ 27 أبريل لعام 2026



المراجع العامة


- موسوعة تاريخ السينما المجلد الأول- السينما الصامتة: جيوفري نويل سميث، ترجمة مجاهد عبد المنعم.

-المدارس الجمالية في السينما لجي انبال، ترجمة مي التلمساني.

-السينما التعبيرية الألمانية لـ إيان روبرتس، ترجمة يزن الحاج.

- The Story of Film: An Odyssey (2011) Part 1, 2 directed by Mark Cousins

-A Companion to D. W. Griffith, written by David Wark




 

author-img
حسن سلامة، كاتب سيناريو وناقد ومبرمج سينمائي. درس السيناريو بالمعهد العالي للسينما. عضو الاتحاد الدولي لنقاد السينما (فيبريسي). عمل منسقًا للبرمجة والمطبوعات وعضوًا للجنة المشاهدة بمهرجان القاهرة السينمائي الدولي.

تعليقات