القائمة الرئيسية

الصفحات

بين السينما المصرية المستقلة والجمهور: بحث في أسباب علاقة مضطربة


إشكالية ممتدة منذ أكثر من عشرين عامًا، طرفا النزاع فيها هما السينما المصرية المستقلة والجمهور. بدأت هذه الإشكالية مع ظهور وهيمنة الكاميرا الديجيتال تحديدًا في مطلع الألفية الجديدة ومع اتجاه صناع الأفلام الشباب للتعبير عن أنفسهم بحرية أكبر وبطرق غير معتادة، بأفكار ومواضيع مغايرة تمامًا عن تلك التي عرفها الجمهور المصري وألفها. من هنا كانت الأزمة، التي أخذت تتفاقم مولدة حاجزًا كبيرًا بين الجمهور وصناع الأفلام، حاجزًا أخذ يتسع كلما رغب هؤلاء الصناع في التجريب واللعب والابتكار. قبل التطرق لحيثيات تلك الأزمة التي تشتد يومًا بعد يوم وقبل محاولة الإجابة عن تساؤلات، مثل: من هو الجمهور الذي تخاطبه الأفلام المستقلة في الوقت الحالي، وهل المشكلة في الفيلم أم الجمهور، لا بد أولًا من طرح أسئلة أولية: ما هو الفيلم المستقل؟ ومن هو الجمهور؟


تعريف المستقل في السينما

 دائمًا ما يتردد توصيف ومسمى «سينما مستقلة» في قاعات العرض، في المهرجانات وفي النقاشات السينمائية اليومية، وهو مسمى يبدو «مائعًا» كلما تم ترديده، لأنه في الغالب يختزل الفيلم المستقل في أنه مجرد «فيلم منخفض الميزانية» وهو تعريف منطلق من مبدأ اقتصادي بحت.

لذلك يظل وصف «الفيلم المستقل» وصفًا غامضًا بطبيعته يثير بعض التساؤلات، فهل تعني كلمة «مستقل» أي أنه متحرر من هيمنة شركات الإنتاج والاستوديوهات وبالتبعية له تكلفة أقل من المعتاد؟ أم مستقل فنيًا بمعنى أنه يزدري التجاري والمستهلك والشعبوي؟ أم مستقل رقابيًا وأيديولوجيًا؟

بالعودة إلى تاريخ السينما نجد مثلًا أن شابلن من أوائل الفنانين الذين سعوا للتحرر من سيطرة الاستديوهات الأربعة الكبرى — Paramount, Metro-Goldwyn-Mayer, Warner Bros, 20th century Fox — فأسس مع ثلاثة شركاء — كان أهمهم المخرج الأمريكي الشهير ديفيد وارك جريفيث — شركة United Artist، وبدءًا من تلك اللحظة ذاع صيت شابلن أكثر، وانتشرت أفلامه الطويلة في العشرينيات فيما تولى هو حرية صناعتها بما يخدم فكره وبالتبعية حرية إنتاجها وتوزيعها.

استقلال من نوع آخر مع بداية الثلاثينيات ممكن ادعاؤه، مع فيلم L'Atalante للمخرج الفرنسي جين فيجو، عندما رصد فيجو موانئ وأزقة مدينة باريس بصورة مغايرة عن تلك الصورة المثالية المعتادة للمدينة، وهو ما كان ملهمًا في ذلك الوقت ضمن سياق حركة الواقعية الشعرية الفرنسية والتي ألهمت الكثيرين من بعدها. على جانب آخر ظهرت مخرجة مثل مايا ديرين في الأربعينيات وصنعت أفلامًا سريالية وتجريبية بينما قدمت صورة مغايرة للمرأة في السينما وعلى غير المعتاد في ذلك الوقت.

وذهابًا إلى فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية يظهر رواد حركة الواقعية الإيطالية، وهم من تمثلت استقلاليتهم في الخروج للشوارع بعد الحرب العالمية الثانية وتصوير الواقع كما هو وبدون تشويه أو تحريف، وبذلك خالفوا الشكلانيين الذين رأوا أن الفن لا بد أن يكون مغايرًا ومختلفًا عن الواقع رغبة منهم في تقديم صورة حية ومباشرة لواقع المجتمع الإيطالي وبؤسه بعد الحرب في قطيعة واضحة مع «سينما التليفونات البيضاء» وهي السينما الإيطالية في عهد موسوليني. ولم تكن تلك هي المرة الأولى التي يتمثل التمرد فيها من خلال الاتجاه لرصد الواقع بل سبق الطليان المخرج السوفييتي دزيجا فيرتوف، والتي كانت سينماه في العشرينيات مغايرة تمامًا عن اتجاه رواد حركة المونتاج السوفييتي، فبينما اتجهوا لـ «اللعب» بالواقع وتغريبه، كان فيرتوف يهتم بجمالياته ولذلك عد فيرتوف رائدًا للسينما التسجيلية في زمنه. كما اتجه الواقعيون أيضًا للتصوير بدون ممثلين محترفين، فعد ذلك حينها تمردًا كبيرًا على منظومة النجوم، لأن السينما قبل ذلك كانت تعتمد بدرجة كبيرة على نجم الشباك كعنصر لجذب الجمهور وهو ما لم يتفق معه رواد الحركة لأن أفلامهم في الأساس خالفت في جوهرها كل مبادئ السينما الجماهيرية. كما أن وجود نجم يفرض بالتبعية وجود قيود كثيرة، إنتاجية ومن ثم فنية، وهو ما تعارض مع اتجاه رواد الحركة، فالهدف المشترك حينها كان استخدام السينما للكشف عن مأساة مجتمع وعالم يتخلله الدمار، وبذلك لم تكن أولويتهم هي جذب الجماهير.

​بالمثل كانت الموجة الفرنسية الجديدة شديدة التمرد في الستينيات، ولكنها وجهت تمردها أكثر نحو صناعة السينما نفسها، وبكل ما تحتويه من مقومات وعناصر وقواعد، تحديدًا تلك الجماهيرية التي رسختها هوليوود فكان همهم الأكبر هو تفكيك تلك المركزية المفروضة سلفًا. يتضح ذلك ابتداءً من رغبتهم في التحرر من هيمنة الاستوديوهات، وذلك عبر صناعة أفلام منخفضة الميزانيات مرتكزة على التصوير في الشوارع والبيئة الطبيعية الحية وليست المصنعة، وساعدهم في ذلك بالطبع ظهور الكاميرات المحمولة ومعدات تسجيل الصوت المتزامن مع الصورة، كما كان غالبية الممثلين من الشباب رغبة في تحرر المخرجين من سطوة النجوم وقيودهم، وامتد ذلك التمرد إلى السخرية من كل المقومات الجماهيرية والقواعد السينمائية الجامدة، فيتكرر في أفلام رواد الموجة محاولات كسر القواعد الأساسية في الإخراج والمونتاج، كالخط الوهمي وقواعد القطع السلس، فمثلًا نلحظ كسرًا متعمد للخط الوهمي واستخدامًا متكررًا للقطعات القافزة (Jump cuts)، على نحو مماثل نجد تفكيكًا وهدمًا للبنية التقليدية والحبكة المعتادة للسيناريو لدرجة تصريح جودار المباشر في لقاء مصور بأن «السيناريو ليس مهما على الإطلاق، الأهم هو المونتاج والصوت»، كما يعد كسر تلك القواعد هجومًا واضحًا على النزعة الأرسطية (نسبة إلى أرسطو) التي سيطرت على السينما منذ بدايتها والمسرح من قبلها في مقابل الانتماء البريختي (نسبة إلى بريخت) عملًا بمبدأ كسر الإيهام والتشكك في الواقع نفسه وبنيته، كما نبذ رواد الموجة الحوار الأدبي الذي هيمن على السينما الكلاسيكية ومالوا إلى الحوار اليومي المعتاد، لأنهم رأوا أن الحوار الأدبي هو حوار اقتصرت فاعليته على جذب تعاطف مصطنع، فيما يعتبر اليومي والمباشر حوارًا عفويًا وربما يكون محرضًا أكثر وهو في النهاية لا يساعد على «تنيم المشاهد» أو دفعه للاستغراق العاطفي المبتذل كما تفعل السينما الجماهيرية.

استقلال من نوع آخر — أيديولوجي — نراه متمثلًا عند المخرج الأرميني سيرجي باراجانوف وفيلمه «Shadows of Forgotten Ancestors» الصادر عام 1965 ففي الفيلم يحتفي باراجانوف بالهوية الأوكرانية المحلية وثقافتها عبر استحضار حكاية شعبية منها وهو ما أقلق السلطات السوفييتية حينها، لأنه خالف اتجاه الواقعية الاشتراكية في ذلك الوقت، وكان ذلك أحد الأسباب التي أدت لاحقًا إلى اضطهاده وسجنه، وهو بالمثل ما حدث مع المخرج الإيطالي بيير باولو بازوليني الذي لم يتوان عن فضح الفاشية الإيطالية وطبقتها الأرستقراطية مما أدى في الأخير إلى اغتياله، ومنذ فيلمه الأول «Accattone» كان بازوليني مهتمًا بالاحتفاء بالثقافة الشعبية واللغة المحلية التي أخذت بالتلاشي في روما.

تبعًا لكل ذلك بدأ أن هناك صورًا متعددة ومختلفة للاستقلال عبر مئات النماذج طوال تاريخ السينما، وبالتمعن فيها يتضح ببساطة أن الاستقلال لا يمكن حصره بكونه مجرد التكلفة المالية المعدودة للفيلم، وكما قال المخرج الأمريكي جون كازافيتس وهو أشهر السينمائيين المستقلين الذين صنعوا أفلامًا تقدر بميزانيات ضئيلة جدًا وذات جودة فنية عالية:

«المشكلة ليست في المال نفسه، المشكلة في أن من يدفع المال يمتلك الحق في اتخاذ القرار».

وانطلاقًا من جملة كازافيتس نصل إلى أن تعريف الفيلم المستقل بكل بساطة هو: حق صانع الفيلم الكامل في اتخاذ القرارات الفنية والإنتاجية المتعلقة بعمله. ولكي يكون القرار نابعًا من رؤية المخرج نفسه، كان لا بد أن يمتلك السلطة النهائية على عمله، فلا تفرض جهة أخرى عليه اختياراتها الفنية أو الإنتاجية، سواء تمثلت في شركة إنتاج وتوزيع، ممثل نجم، رقابة، أو حتى كاتب يشارك المخرج في عمله، وهو ما يوضح لم يلجأ غالبية صناع الأفلام المستقلة لكتابة أفلامهم بأنفسهم، ولا يعني ذلك بالضرورة أن وجود شركة إنتاج، أو ممثل كبير قد يلغي بالضرورة استقلالية صانع العمل، الفيصل في النهاية هو مدى تمسكه بالحق في اتخاذ القرارات الفنية والإنتاجية للفيلم، بذلك تكون الاستقلالية بالقرار هي المبدأ الجوهري والأول للتعبير الحر في ظل صناعة محكومة رغما عنها بالمال.

​من هو الجمهور المصري وكيف يرى الفيلم؟

ضمن رسالتها للدكتوراه عن «جمالية التلقي السينمائي» ترصد الدكتورة فدوى ياقوت أستاذة السيناريو بالمعهد العالي للسينما — الارتباط الشرطي بين كل من صانع العمل الفني وإبداعه والمتلقي — شارحة الكيفية التي يتلقى بها الجمهور الفيلم، كيف يفكر فيه، وكيف يتفاعل معه — منطلقة من نظرية التلقي وجمالياتها عند كل من هانس روبرت ياوس وفولفانج إيزر، فتقول: «وكما لا يمكننا أن نتخيل رسالة دون مستقبل يستقبلها، لا يمكننا تخيل عمل فني دون متلق يتلقاه، ولا فنان يضع المتلقي في حسبانه، فطالما قرر المرسل/ الفنان بث رسالته/إبداعه الفني، فإنه من غير المقبول — بأي حال من الأحوال — تجاهل ذلك المتلقي الذي يتوجه إليه، أو نفيه أو الاستعلاء عليه». كما تستعين بما قالته دكتور موسى ربابعة في كتابه «جمالية الأسلوب والتلقي» فنجده يقول:

«وبناء عليه فقد تم تجاوز النظرة السائدة التي كانت تنظر إلى العلاقة القائمة بين المبدع والقارئ على أنها علاقة منتج ومستهلك، ولا يتعدى ذلك إلى حدود التفاعل والمشاركة، فالقارئ لم يعد مستهلكًا، ولم يعد النص هو الذي يمارس السلطة على القارئ، وإنما يقوم القارئ هو الآخر بممارسة سلطة على النص، حتى يستطيع أن يدخل إلى عالمه، ويشارك في إكمال ما هو غائب في النص».

وبالذهاب إلى تعريف «المتلقي الضمني» عند ياوس، نجد أنه متلق يفترض صاحب العمل الفني وجوده، وهو متلق بمرجعية ما، لها حمولة ثقافية واجتماعية وسياسية وهو ينطلق من تلك المرجعية في تفسير العمل الفني وقراءته، ويسمي ياوس هذه العملية بـ «أفق التوقع»، أي كل ما يتوقعه المتلقي من العمل انطلاقًا من خبرته السابقة في التلقي/ المشاهدة. تبعًا للفقرة السابقة يمكن القول بأن عملية خلق العمل الفني، ومنذ ظهور نظريات التلقي انتقلت من تساؤل الفنان/ الكاتب/ المخرج «كيف أرى الأشياء وأعبر عنها» إلى تساؤل «كيف يرى المتلقي ما أعبر عنه وكيف يتفاعل معه».

الجدير بالملاحظة أن ذلك يعد امتدادًا لما صكه الشكلانيون الروس ومن بعدهم رواد الواقعية الاشتراكية ومن ثم طوره بريخت، وهو المبدأ الأساسي الأهم منذ ذلك الحين، وهو جعل المتلقي إيجابيًا وفاعلًا، مشتركًا في العمل الفني، بذلك لا يكتمل العمل إلا عبر الاشتباك معه والقراءة المستمرة له. كل ذلك يوجب على الفنان أن يكون واعيًا بسياقه التاريخي، المجتمعي والسياسي لخلق ما هو جدير بالاشتباك.

ولدينا مثال نموذجي ومباشر على ذلك وهو فيلم «Hour of the Furnaces» الصادر عام 1968 لكل من فرناندو سولاناس وأكتافيو جينتو، فلقد عرضا فيلمهما الذي تتجاوز مدته أربع ساعات في قاعات عرض لا تسع لأكثر من 25 فردًا، وكان عرض الفيلم يتخلله فواصل وفي كل فاصل يتم مناقشة الجمهور وتبادل الآراء معهم، وقد رأى الاثنان أن تلك هي الطريقة المناسبة للتواصل مع الجمهور في العالم الثالث، ولقد عرفا بالطبع ببيانهما الشهير «نحو سينما ثالثة» الذي جاء مرسخًا لقواعد وسمات السينما الثالثة أو ما تعرف بسينما العالم الثالث وهي سينما ليست تجارية كسينما هوليوود ولا هي فنية أوروبية، بل هي سينما الجنوب الذي يعاني غالبية سكانه من الفقر والجوع، وهنا كانت السينما تعني الفاعلية المجتمعية والسياسية.

بالذهاب لبدايات السينما المصرية، حقبة الثلاثينيات والأربعينيات تحديدًا، يرى الناقد والمؤرخ أحمد الحضري في كتابه «تاريخ السينما المصرية» أن الجمهور المصري في تلك الفترة لم يكن ممتعضًا من أفلام السينما، وهي أفلام تعرف بـ «أفلام الكباريه»، والتي ارتكزت على موضوعات محدودة بعينها، وكانت ترصد الطبقة الأرستقراطية بمشاكلها التافهة، ورغم أن غالبية الشعب كانت من الفقراء فإن رغبتهم في مشاهدة عالم الترف وحياة الأغنياء كانت غالبة على كل شيء، ولذلك كان المبدأ الأولي والدافع البسيط للذهاب لمشاهدة فيلم هو «رؤية عالم لم يكن متاحًا». جانب آخر من تلك الأفلام كان بمثابة مكون أساسي فيها وهو الرقص والغناء والاستعراض، يرجع ذلك لأسباب عديدة من بينها بالطبع وأولها أن تلك المكونات هي بمثابة عوامل جذب تجارية، وثانيها أن الحكايات نفسها لم تكن ثرية بما يكفي، فكانت تلك العناصر نفسها بمثابة «ملء للشريط السينمائي» فكان يتخطى بعضها في بعض الأحيان ثلث الفيلم.

تغير اهتمام الجمهور قليلًا بعد ثورة يوليو 52 فاتجه بصورة أكبر إلى سينما البطل الشعبي، وهو بطل يقهر كل الظروف وينتصر على الأشرار، ويرجع ذلك بالطبع إلى الوعي الجمعي حينها، الذي رأى وببساطة إمكانية تجلي بطولة الإنسان العادي في السينما فكان الأمر بمثابة تحقيق الأحلام التي استحالت. بالطبع ساعد ذلك رواد ما سمي بالـ «الواقعية المصرية» كصلاح أبوسيف وتوفيق صالح وكمال الشيخ وحسين كمال وغيرهم، فسينماهم رغم قتامتها «المتقنة» لم تكن نخبوبة، بل وبعضهم كان جماهيريًا، مفهومًا بالنسبة لجمهور السينما، في ذات الوقت لم تكن الأمور بتلك الوردية، لأن مرتادو السينما من الجمهور وهم من يعرفهم الناقد السينمائي كمال رمزي بـ «جمهور الترسو» أي جمهور مقاعد وسينمات الدرجة الثالثة وهم غالبية الشعب هم أنفسهم من «دغدغوا» السينما في فيلم الفتوة لصلاح أبوسيف بسبب ضرب الشاب الصعيدي على قفاه، وهم من سبوا يوسف شاهين حين عرض فيلم باب الحديد بسبب العلقة التي «أكلها» العامل في المحطة، المشترك في الفيلمين كان فريد شوقي «ملك الترسو».

مما سبق نستنتج أن الجمهور لم يتغير إلا قليلًا منذ ذلك الوقت، فالترسو إن قلنا إنه مسمى يشير إلى طبقة بعينها فهو يشير إلى الطبقات الشعبية والوسطى الدنيا، العمال والحرفيين وسكان الأحياء الشعبية والطلبة حتى المرحلة الجامعية، وكل هؤلاء هم غالبية الشعب، الذين يشكلون الكتلة الأساسية لإيرادات شباك التذاكر في الأعياد والمواسم وهم يميلون للأفلام ذات الطابع التجاري في المقام الأول والتي تحتوي في الأساس على كل «عناصر الجذب» من ممثل نجم وحبكة تقليدية وقصة بسيطة وواضحة وغناء أو استعراض، وبالطبع بطل شعبي.

​ولأن هؤلاء هم جمهور السينما التجارية فهم يصلحون ببساطة ليكونوا هذا «المتلقي المفترض» طوال الوقت ووجهًا للقياس، ولذلك عندما نقول «الجمهور» فلا بد من الوعي بأننا نشير للغالبية، للناس، لا «السنابلة»، ولا جمهور المهرجانات ولا النقاد ولا حتى جمهور المولات، وجمهور المولات هو وصف المخرج الراحل داود عبد السيد للطبقة التي أصبح ارتياد السينما حكرًا عليها بشكل غير مباشر نظرًا لارتفاع سعر تذكرة الفيلم، وهي الطبقة المتوسطة فما فوق.

نجد وعيًا بذلك الجمهور من قبل الأجيال السابقة في صناعة السينما، فيوسف شاهين مثلًا في «حدوتة مصرية» نراه يعيد تمثيل كيفية عرضه باب الحديد على المنتجين، في استخدامه لهند رستم كعنصر جذب «غرائزي»، محمد خان مثلًا وهو «سينيفيلي» محب للسينما الأوروبية وعاشق لأنطونيوني ولكنه في نفس الوقت يعي أهمية الإيقاع السريع والحوار القريب من الحياة اليومية وتبسيط الأفكار كشروط مهمة للاشتباك مع الجمهور المصري.

داود عبد السيد صاحب الأفكار الوجودية نراه يصنع فيلمًا كـ «الكيت كات» وهو فيلم ناجح جدًا على المستوى الجماهيري فيما يحتوي على طبقات أعمق وتأويلات فلسفية وسياسية ومجتمعية. المشترك بين المخرجين الثلاثة هو وعيهم بكل من أفق التوقعات عند الجمهور ورغبتهم في الاقتراب منه، التواصل والاشتباك معه، وبالطبع لم تكن محاولاتهم تلك كافية لتجنب غضب الجمهور من أفلامهم في أوقات كثيرة، فيوسف شاهين مثلًا كانت توصف أفلامه بأنها أفلام «خواجات» وغير مفهومة، على الرغم من أن أفلام شاهين كانت مباشرة في أوقات كثيرة بشكل زائد على الحاجة، وربما منذ شاهين اكتسبت أفلام المهرجانات سمعة سيئة عند الجمهور المصري، وربما الجمهور معذور في ذلك الأمر، واللوم يقع أكثر على الصحفيين والنقاد في تلك الفترة، بسبب ترسيخ هذا الحاجز بين «فيلم المهرجان» و«الفيلم الجماهيري»، فأصبح فيلم المهرجان يعني بالضرورة فيلمًا غامضًا وذو إيقاع بطيء ومتفلسف. هنا نصل إلى أكثر من تساؤل، هل التبسيط والتنازل، أو محاولة التسوية مع الجمهور هي أمور واجبة على صانع الفيلم؟ أم من الأفضل وبنظرة استعلائية كما يقول السينمائيون «أن يرتقي الجمهور بذائقته»؟

الإجابة بسيطة وهي «لا شيء واجب»، وإن كان هناك وجوب فهو إلزامي على الفنان، لا الجمهور، فالجمهور مجبور بسبب ظروف معيشية، أما صانع الفيلم فهو غالبًا مخير في اختيار كيفيته وأسلوبه بشكل أو بآخر. على أقل تقدير فصانع الفيلم ليس ملزمًا بالتسوية، وليس ملزمًا بالاشتباك عبر رصده لمشاكل مجتمعية حاضرة، لكن يبقى ملزمًا بأن يعي جمهوره المفترض، والسياق التاريخي والاجتماعي الذي يخاطبه، خاصة إذا أعلن أنه يصنع أفلامًا للناس.

​السينما المصرية المستقلة

يمكن القول إن السينما المصرية المستقلة بالشكل الذي نعرفه اليوم بدأت مع الألفية الجديدة وانتشار الكاميرا الديجيتال، ومنذ ظهورها لم تكن الكاميرا الديجيتال مجرد أداة، بل عبرت عن منظومة جديدة ومغايرة تمامًا غيرت شكل صناعة السينما في العالم كله.

جدير بالذكر — وتبعًا لتوصيف «مستقل» الذي ذكرناه مسبقًا — أن تلك المحاولات التي بدأت مع بزوغ الألفية الجديدة لم تكن هي المحاولات المستقلة الأولى من نوعها، فالسينما المصرية التسجيلية كانت سباقة في ذلك ولن نجد مثالًا لنضربه أفضل من سينما عطيات الأبنودي والتي رصدت بدورها مواضيع وأناس ومناطق هي على الهامش تمامًا، وذلك نراه مثلًا في تجاربها الأولى مثل حصان الطين (1971) وأغنية توحة الحزينة (1972) والسندوتش (1975).

وإن رجعنا بالزمن أكثر، إلى بدايات السينما المصرية نستطيع القول بأن محمد بيومي (رائد السينما المصرية) هو أول من صنع سينما مستقلة خالصة وهو ما يتجلى في فيلمه، «برسوم يبحث عن وظيفة» (1923)، والذي ابتعد فيه عن الرؤية الاستشراقية لمصر وللمصريين، والتي رسخها صناع السينما الأجانب منذ بدايات القرن العشرين.

بالمثل لا يمكن إنكار التجارب الشبابية المستقلة التي تمثلت في أفلام قصيرة صنعها شغوفون بالسينما، خريجو المعهد العالي للسينما ومدرسة الجزويت وغيرهم، وهي تجارب مزجت بين الهزل، التجريب والجدية، ولصعوبة حصرها أو تتبعها كما أنها بطبيعتها ليست موجهة للجمهور، كان من الأيسر تتبع الأفلام المستقلة الطويلة، وهي تجارب — بجانب سهولة تواجدها — فيمكن أيضًا تتبع سماتها وكيفية تطورها ومنطلقها الإنتاجي ورصد تفاعل الجمهور معها.

​يشار عادة إلى أن المخرج إبراهيم البطوط هو رائد السينما المصرية المستقلة، وهي إلى حد ما معلومة صحيحة مع التأكيد على ثلاثة شروط:

الأول: إن قلنا إن الفيلم الأول للبطوط هو فيلم «إيثاكي» (2005) وهو فيلم سبق فيلمه الشهير «عين شمس» (2008).

الثاني: تجاهل الارتباط الشرطي بين التصوير بالديجيتال والسينما المستقلة، لأنه سبق البطوط بالديجيتال كل محمد خان في «كليفتي» (2004)، ويسري نصر الله في «المدينة» (2000).

الثالث: التأكيد على العلاقة الوثيقة بين «المستقل» و«الشبابي» وشبابي هنا لا تشير للعمر أو الفكر، إنما هي دلالة على حداثة التجربة بكل تخبطاتها وطيشها وهو بالطبع ما لم يكن موجودًا عند خان في أفلام الألفية مثل «كليفتي» و«فتاة المصنع» و«بنات وسط البلد»، ولم يكن موجودًا عند يسري في «المدينة» و«جنينة الأسماك» و«احكي يا شهرزاد»، وإن تحلت أفلام مثل «كليفتي» و«جنينة الأسماك» و«المدينة» وبنات وسط البلد» بحرية كبيرة ورغبة في التجديد وتمرد واضح على الإطار الكلاسيكي لصناعة السينما، على الرغم من ذلك نجد الأثر الواضح لكل من «كليفتي والمدينة على غالبية تجارب السينما المستقلة خاصة تلك التي صدرت في العقد الأول من الألفية، وإن أردنا رصد تيمة بعينها هيمنت على تلك الأفلام فهي بالتأكيد «التسكع».

​أكثر من مجرد تسكع

يبدأ إبراهيم البطوط فيلمه «إيثاكي» من فكرة ذاتية صريحة، فيرصد في فيلمه عودة مصور حروب إلى مصر ليلتقي بمجموعة كبيرة من الأشخاص ما يربطهم ببعضهم البعض هي المعاناة المشتركة. بذلك الفيلم البسيط، والذي كان واضحًا تواضع إمكانياته الفنية، إلا أننا نلمس من خلاله موتيفات أساسية شكلت سينما البطوط ووضعت أسس السينما المصرية المستقلة بشكل لا واع، فنجد فيه طغيان الجانب الذاتي، نزعة التشاؤم الواضحة، المرض المتفشي توثيق المدينة والوجوه، تجاهل الحبكة التقليدية. تلك الأسس هي عامل مشترك وربما جديرة بأن توصف بأنها «جوهر السينما المصرية المستقلة» بعد الألفية، يتضح عبر «إيثاكي» والأفلام التي تليه — أولها بالطبع عين شمس (2009) وهو أهم أفلامه — خلفيته التسجيلية، فلقد عمل البطوط كمصور حربي لمدة تصل إلى 17 عامًا.

هنا نجد ارتباطًا وثيقًا بين صناع السينما في دول العالم الثالث فبداية البطوط كانت هي نفسها بداية المخرج البرازيلي «نيلسون بيرييرا دوسانتس» رائد سينما نوفو والذي عمل مصورًا حربيًا ومخرجًا تسجيليًا قبل أن يشرع في الدخول إلى مجال السينما، وبالطبع تشترك سينما العالم الثالث جميعها في استقلاليتها ورغبة روادها في البعد تمامًا عن جماليات كل من السينما الأمريكية وحتى السينما الفنية لأوروبا غربًا وشرقًا.

وبالعودة إلى أفلام البطوط (عين شمس، حاوي، الشتا اللي فات، القط) نجد عناصر مشتركة، رحلة يخوضها البطل للبحث عن شيء ما ضائع أنقاض مدينة، وجوه منسية، أو حتى ابنة ضائعة ومع كل رحلة يخوضها أبطال البطوط نلاحظ أن التسكع/ التمعلك هو العادة الإدمانية لهؤلاء الأبطال. التسكع هنا ينطوي على دلالات أكثر من مجرد الرغبة في المشي والتمصلك في الشوارع، وهو ما نلمسه بالمثل في «المدينة» و«كليفتي»، ففي «المدينة» يمشي علي في الشوارع ليلًا لأنه في حالة هرب دائم وخوف من المواجهة، وهو يخاف أن يصحو من نومه ليجد روض الفرج قد اختفت فجأة! وفي «كليفتي» نجد باسم سمرة يتسكع في المدينة ليل نهار، وكأنه ملاك حارس لها، يحميها ويقبض على أزقتها خشية فقدانها والمفارقة أنه حرامي!

يمتد ذلك أيضًا إلى أفلام أحمد عبد الله وهو ما نراه بشكل جلي في أفلام مثل (ميكروفون، هيليوبوليس، ليل خارجي)، كما نجده بشكل مسبق في فيلم يعد من الأفلام المنسية أيضًا وهو فيلم «بصرة» (2008) إخراج أحمد رشوان ومن بطولة باسم سمرة، حيث نجد طارق العاشق للتصوير بينما يوثق وجوه من حوله فيما يشعر بتلاشي رفاقه من جانبه وانسياب العمر من بين يديه ويعتمد الفيلم على رصد شخصيات كثيرة نشعر بفاعليتها كلها في الحكاية وهو سرد أقرب للـ «Network Narration»، كما يسميه ديفيد برودويل، أو ما يعرف بالـ «Hyper-link Narrative» عند أليسا كوارت، وشاعت تلك الطريقة في كثير من تجارب تلك المرحلة، فكانت تجارب لا تعتمد على رصد بطل بعينه، ولن أختار وصف «حالة» لابتذاله، بل الأدق أن نقول «حكاية الناس».

إذن فالتسكع كان أشبه بوعي جمعي، أو ربما رغبة لا واعية مستشرفة لمستقبل ليس له ملامح في ظل سلطة غاشمة وأجيال تتلاشى في طيات الزمن، فغلبت الرغبة في توثيق الوجوه والمدينة التي باتت تشبه أطلال مدينة سكانها من الأشباح، توثيق أخير خوفًا من التلاشي، هنا نستطيع أن نلمس الجانب الذاتي والهم المشترك معًا ولو كان مشتركًا بشكل لا واع.

وأخيرًا يتطور مفهوم التسكع في المدينة ليحمل مدلولًا أكبر في فيلم الخروج للنهار لهالة لطفي، حيث نتتبع سعاد بعد خروجها من بيتها للمرة الأولى فيما يشبه البعث من جديد وعودة الروح، بعد ما تجسد البيت كقبو لا يسكنه سوى المرض، لكن مرة أخرى لا تتبدى المدينة كخلاص، بل كمقبرة كبيرة وممتدة مليئة بالأموات، وربما شجعت تجربة هالة لطفي الكثير من التجارب بعدها تتجلى فيها النساء كبطلات للحكايا وهو ما لم يكن شائعًا كثيرًا في السينما المصرية، فيتمثل ذلك في أفلام مثل (سعاد، ونوارة وأخضر يابس) وفي جميع تلك التجارب لا تشير البطلات إلى مآسيهن فقط بل يشرن إلى فاجعة مجتمع في طريقه للانفجار.

أما في آخر أيام المدينة فنرى رثاء لأطلال تلك المدينة وشوارعها وأناسها، تحية أخيرة لزمن ومدينة قد انتهيا إلى الأبد، وهي نفسها العلاقة الملتبسة التي يحاول بسام مرتضى تفكيكها في فيلمه التسجيلي «أبو زعبل» مشيرًا إلى أن الأزمة لم تكن مدينة أو أشخاص، بل كانت أكبر، متمثلة في صراع جيلين كانت معاركهما أكبر منهما بكثير محاولا القبض على ما أقل ما يمكن الحفاظ عليه، وهو متمثل في لحظة إنسانية أصيلة وخالصة.







​عناصر الجذب بين التسوية والتطرف

لم تلق تلك الأفلام احتفاءً كبيرًا خاصة من قبل كل من الرقابة والجمهور وهو ما يتضح من تصريح البطوط بعدما تفاجأ الجميع بعرض فيلم عين شمس في الخارج في مهرجانات مثل قرطاج وروتردام للفيلم العربي وتاورمينا:

«قدمت لي شركات إنتاج عدة أكثر من عرض، من دون ذكر أسماء، لكني رفضت لأنني أريد صناعة أفلام لها طبيعة خاصة لن ترضى بها تلك الشركات، كذلك أريد أن أكون حرًا تمامًا فيما أخرجه وأكتبه، وبعد ذلك أفكر في الدعم المادي أو التوزيع، وهذا ما حدث فعلًا في «عين شمس». فلماذا أتنازل الآن بعدما نجحت في تحقيق مرادي؟ وكما قلت سابقًا، السينما التجارية لا تستهويني إطلاقًا، لكن لن تكون لدي مشكلة معها إذا سمحت لي بعرض أفكاري كما أريدها».

ويرجع البطوط السبب في تقديم الفيلم للخارج أولًا هو رغبته بعدم ترقيب الفيلم لعلمه بالعثرات التي قد يواجهها.

يرجع بنا تصريح البطوط إلى تعريف كازافيتس للاستقلال، لكن على جانب آخر ما موقف الجمهور من تلك التجارب؟

بالعودة إلى السمات المذكورة سلفًا والتي صكها صناع السينما المستقلة سواء بوعي أو بدون فهي كلها سمات كان من دورها أن تبعد الجمهور تمامًا، بالتالي كان لا بد أن يكون صناع تلك الأفلام على وعي بأن ما ينتجونه ليس جماهيريًا أبدًا، من حيث الأفكار، المواضيع، السمات، وحتى الأسلوب، وذلك واضح بشكل صريح في قول البطوط والذي يلخص اتجاه غالبية صناع الأفلام المستقلة اليوم، التعبير عن الذات والفكر في المقام الأول مع تهميش الجمهور.

وبالعودة لتلك الأفلام المذكورة وهو ما سنراه ممتدًا بالمثل حتى العقد الثالث من الألفية سنجد أن جميع التجارب كانت خالية بالفعل من كل «عناصر الجذب» الجماهيرية، فلا حبكة تقليدية أو ميلودراما، سينما بلا نجوم وغالبيتهم كانوا من الشباب، وتكليفات منخفضة ونهايات بائسة، لذلك كان من الطبيعي أن يجد قطاع واسع من الجمهور صعوبة في التفاعل مع هذه الأفلام، هذا ما سماه آيزر بـ «هدم أفق التوقع» وبالنسبة له كلما زاد الهدم زادت «المسافة الجمالية» والمسافة الجمالية هي ما قد نعرفه ببساطة بـ «فنية الفيلم» أي طليعيته، قدرته على النفاذ والسمو وتجاوز زمنه، هنا ينبع تساؤل آخر:

هل مجرد هدم أفق التوقع عند الجمهور هو بالضرورة دلالة على فنية الفيلم أو عبقرية صانعه؟

الإجابة: لا. فشرط المسافة الجمالية ليس فقط في مجرد التصادم مع الجمهور وهدم توقعاته، الشرط هو خلق تجربة جمالية جديدة.

أحمد عبد الله هو حالة مثالية للدلالة على إمكانية وجود تجربة جمالية جديدة وهذا ما حافظ على ثراء تجربته وامتدادها إلى الآن، ورغم مداومته على التجريب والمغامرة فإنه قادر على «التسوية» بشكل ما في كل مرة، ولذلك نلاحظ في أفلامه وجود مساحة كبيرة للمزيكا والأغاني وهي عناصر جذب بالنسبة للجمهور المصري، مونتاج وإيقاع سريع مختلف عن إيقاع غالبية صناع السينما المستقلة، نجوم مثل خالد أبو النجا وآسر ياسين ومنة شلبي وكريم قاسم ومنى هلا وسيد رجب وماجد الكدواني وغيرهم، في أفلام مثل (ميكروفون، وهيليوبوليس، وديكور، وفرش وغطا، و19 ب) جميعها تجارب وإن اختلف تفاوت وجود عناصر الجذب الجماهيرية فيها فكلها احتوت على وجوه مألوفة لدى الجمهور، وهي أشبه بصكوك ضمان مبدئية للمتعة عند الجمهور، ولذلك ممكن استيعاب النجاح الجماهيري النسبي لأفلام أحمد عبد الله دونًا عن غيره من المستقلين، فهو واع تمامًا بعناصر الجذب تلك، وهو قادر على التسوية في كل مرة بما لا يتعارض مع ما يؤمن به، لذلك لا نجد تعارضًا بين كل ما سبق ذكره وبين مبدأ الاستقلالية الفنية.

​لنفس الأسباب نفهم سبب عدم تقبل الجمهور بنسب متفاوتة لتجارب مثل «ريش» لعمر الزهيري، «الخروج للنهار» لهالة لطفي، «أخضر يابس» لمحمد حماد، «ورد مسموم» لأحمد فوزي صالح، «سعاد» لآيتن أمين، «باب الوداع» لكريم حنفي بالطبع، و«آخر أيام المدينة» لتامر السعيد. بينما كان الجمهور أقرب لتجارب مثل «نوارة» لهالة خليل، «فيلا 69» لأيتن أمين، و«البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو» لخالد منصور، وهو حالة خاصة. السر كامن في عناصر الجذب وهي في الأفلام التي كان الجمهور أقرب إليها متمثلة في وجود «النجم» في المقام الأول ومن ثم يليه عناصر جذب أخرى، وهو ما يتضح بشكل جلي في حالة «رامبو» مثلًا، الذي لم يكن متوقعًا له ذلك النجاح الكبير، لكن لحسن الحظ يتزامن صدور الفيلم في السينمات مع بزوغ اسم النجم الشاب عصام عمر، ليحتفى بالفيلم ويتم تقديره على أكمل وجه، ولم يكن وجود عصام عمر هو السبب وحده، لأننا لو نظرنا إلى رامبو من ناحية بنيوية، بغض النظر عن النهاية البائسة، نجده فيلمًا تقليديًا تمامًا، أي حبكة واضحة، بطل شعبي لديه رغبة وحاجة، وشرير يقف في طريقه وحبيبة تنتظره، جميعها عناصر جذب، على الجانب الآخر ورغم وجود آسر يس، مر فيلم فرش وغطا مرور الكرام، ويفسر ذلك بكل بساطة لجوء أحمد عبد الله لإلغاء الحوار في كل الفيلم تقريبًا! وهو قرار راديكالي جدًا بتقديم فيلم شبه صامت لجمهور السينما المصرية وفي نفس الوقت فهو قرار لا تنكر شجاعته، وربما تفسيره هو سياق وموضوع الفيلم نفسه، فهو ينطلق من مبدأ «تكميم الأفواه» في ظل فترة غير واضحة المعالم في تاريخ مصر ليصبح الصمت مجسدًا لحالة عامة من عدم قدرة على التعبير تمتد إلى هيكل الفيلم نفسه وعالمه، ولنفس الأسباب يفسر نسيان وتجاهل تجربة مهمة وجريئة مثل «باب الوداع» (2014).

​ماهية الواقعي

عام 2021 وفي الدورة الخامسة من مهرجان الجونة وفي أثناء عرض فيلم ريش بدأ بعض الممثلين بالامتعاض أثناء مشاهدة الفيلم ومن ثم قاموا بالخروج من قاعة العرض ليكون التعليق الأبرز بعد انتهاء عرضه أنه فيلم يقدم صورة شديدة القسوة عن الفقر في مصر، وفي ذلك إهانة للبلد، فيما كان الدفاع عن الفيلم منطلقًا من مبدأ شديد البساطة، وهو كونه فيلمًا «واقعيًا».

بالرجوع لفيلم ريش فهو ببساطة ليس فيلمًا واقعيًا، على أقل تقدير فهو قائم على فرضية خيالية في الأساس، وهي تحول إنسان إلى فرخة، فرخة وليس ديكًا، الواقعي في الفيلم على أقل تقدير تمثل في الناس، والمكان.

المكان هو بطل الحكاية في أفلام العقد الثاني من الألفية، نلمس ذلك في أفلام كثيرة مثل (ورد مسموم، أخضر يابس، الخروج للنهار، نوارة، ريش، المستعمرة، عائشة لا تستطيع الطيران).

كل فيلم منها رصد مكانًا بعينه، بيئة فقيرة وعينة من الناس، ولذلك فكل فيلم من هذه الأفلام هو بمثابة حكاية عن «المكان وناسه وليس عن بطل بعينه ولا وجود لانتصارات، فيما تنتهي الأمور بهزيمة مفجعة على كل الأصعدة، ورغم كون تلك التجارب جميعها هي حكايات عن الناس، أي الغالبية من الجمهور المصري، فإنها ليست موجهة لهم، وهنا وجب الالتفات للفرق بين فيلم عن الناس، وفيلم للناس، لماذا تلك الأفلام ليست للناس؟ لأنها ببساطة بعيدة كل البعد عن مقومات الجذب، عدا نوارة، لوجود منة شلبي، وإيقاعه المغاير.

هنا نعود من جديد إلى ما قاله البطوط: «الأهم هو عرض أفكاري كما أريدها». وإن اعتبرنا الجمهور مشاركًا في اتخاذ القرارات — مثله مثل النجم وشركة الإنتاج بسبب ذائقته وميله لعناصر الجذب — فالاستقلال كما عرفناه يشمل رفض ما يمليه الجمهور هو الآخر، وليس لذلك السبب فقط قد يعاب على صناع الأفلام، فالجمهور الذي أشرنا إليه مسبقًا لم يعد باستطاعته دخول السينما أصلًا، بالعودة لتلك الأفلام مرة أخرى والتي أحب بعضها ولا أقبل الآخر، فهل التمسك بالأسلوب والتقشف الزائد هو نوع من الاستقلالية التي تشير بالضرورة إلى جودة فنية مضمونة؟

أقارب بين فيلمين أحبهما وهما «المستعمرة» لمحمد رشاد و«أخضر يابس» لمحمد حماد، في «أخضر يابس» يتمسك حماد بأسلوبيته التعبيرية بصرامة، ومن اللحظة الأولى في الفيلم نرى عالم حماد منحازًا سلفًا ويتضح أنه قرار صارم بخصوص الفيلم وشكله من بدايته وحتى نهايته، حماد لا يترك أي متنفس لأبطاله، ولا حتى «ضحكة فالتة»، على النقيض في فيلم «المستعمرة» يسمح رشاد لبطله حسام وأخوه ببعض من الهواء، وفي لحظة شاعرية في وسط ساحة مصنع أبو كاليبيسي الطابع يسمح رشاد لبطله حسام بحضن من فتاة هو بمثابة مخدر مؤقت وسط حياة طاحنة، ولا يتحرر بطل رشاد من بعد ذلك الحضن، بل يرجع ليواجه الواقع وقسوته وكأن ذلك الحضن وتلك الفتاة لم يوجدا أصلًا. طريقتان مختلفتان لمعالجة الأشياء، وظلم كبير أن يلقب أحدهما واقعي والآخر لا، فكما رأى بازان، كل فيلم له واقعه الخاص، فالأفلام هي صورة من الواقع وليست الواقع نفسه.

​تنقلنا تلك النقطة إلى تعليق متكرر حول الحوار القليل في السينما المستقلة، والقول المتكرر بأن المصريين يتحدثون كثيرًا فهل من الواقعي أن يكون الحوار شحيحًا؟

على جانب آخر يرى صناع الأفلام ببساطة العمل بمبدأ «Show don't tell» أي أظهر ولا تخبر.

طيب.. من على صواب؟

كلا الطرفين يبالغ في تعميمه، فليس لأن المصريين يتحدثون كثيرًا على المخرج أن يحاكي ذلك في سينماه، فالمطلوب ليس الواقع نفسه، ولا الحقيقة، إنما واقع الشخصيات والمكان والحدث نفسه، وهو ما يوضح الالتباس الدائم في مفهوم «الواقعي» عند كل من صناع السينما والجمهور، فليس الواقعي مجرد «نقل» ما يحدث في الواقع لأنه بذلك يتحول إلى «تسجيلي» محض، وحتى الفيلم التسجيلي نفسه لم يعد بتلك البدائية، من منطلق «أمانة نقل الواقع».

على جانب آخر يسيء صناع السينما تفسير قاعدة «أظهر ولا تخبر»، هي ببساطة لا تتعلق بالحوار والصورة إنما هي متعلقة بـ «الإخبار»، والإخبار هو قول الأشياء والتعبير عنها بمباشرة، لذلك في أوقات كثيرة نجد أن الصورة مباشرة، تقول وتخبر أكثر من الحوار نفسه، بينما الحوار يتخلله الكثير من «الإشارات الضمنية - Sub-text» وهو في تلك الحالة أبلغ مائة مرة من أي صورة. لذلك جدير بالذكر أن العجز عن كتابة حوار جيد والاستغناء عنه بالصورة يظهر ضعفًا واضحًا عند كل من المخرج والكاتب إن كانت الصورة نفسها فقيرة بلغة السينما وسطحية، وهو ما يتجلى في تجارب عديدة على مدار السنوات الأخيرة، خاصة في الأفلام القصيرة.

بالتالي يظهر أن «جمالية العمل الفني» وببساطة، لا الحوار القليل، ولا هي مجرد نقل الواقع بأمانة، ولا هي مختزلة في الإيقاع البطيء، وبالرجوع لآيزر فالعمل الفني الجيد هو فقط القادر على تحفيز القارئ/ المتلقي الضمني لـ «ملء الفجوات»، والفجوات هي ما يصنعها المبدع عبر هدمه لأفق التوقع في كل مرة، لذلك فهو أمر متعلق في النهاية بأسلوبية المخرج وكيفية صياغته في الأساس لكل من فكرته، عالمه ومواضيعه بالتالي يصبح لكل فيلم جمالياته الخاصة والأمر ليس مرتبط بـ «قواعد عامة» بتطبيقها يصبح الفيلم «أكثر فنية»، ويعد ذلك امتدادًا حتى لما صكه كريستيان ميتز عندما قال: «السينما لغة، وليست منظومة لغوية».

​لمن نصنع الأفلام؟

في حوار معه سابق معه يشير المخرج الراحل داود عبد السيد إلى إحباطه بسبب كون الجمهور الذي أحبه وصنع الأفلام من أجله لم يعد قادرًا على دخول السينما بسبب غلاء تذكرتها وصعوبة ظروف المعيشة، فيما وصف القادرين على ذلك بـ «جمهور المولات» وهو جمهور لا يفضله كثيرًا. انطلاقًا من تلك النقطة من السهل تشجيع صناع الأفلام بألا يلتفتوا للجمهور، لكن وببساطة إن لم أخاطب الجمهور المصري، أولم أهتم بوضعه على أقل تقدير بمقعد «المتلقي المفترض» بينما أكتب وأصور الفيلم، إذن لمن أكتب ولمن أصنع الأفلام؟ الجمهور في النهاية ليس مسئولًا بقدر صناع الأفلام، فهو مدرب على أساليب معينة للمشاهدة وخبرة سلبية متراكمة، بينما هو مقيد بظروف اقتصادية واجتماعية معينة بجانب ثقافة العصر نفسه وما تفرضه. المسئولية كاملة يتحملها صناع السينما المستقلة اليوم، ولذلك قبل خلق الفكرة وصياغة الموضوع لا بد من أسئلة جوهرية، هل يتنافى تعبيري عن ذاتي واستقلاليتي بما يتماس مع العامة بالضرورة؟ ما هي اللغة السينمائية الوسيطة التي قد أتلاقي من خلالها مع الجمهور؟

لمن أصنع أفلامي إن لم تكن لمن هم حولي؟ للمهرجانات، للنقاد، لأصدقائي

أعتقد في السنوات العشر الأخيرة تحديدًا وربما بشكل لا واع افترض صناع الأفلام متلقيًا آخر غير الجمهور المصري السائد، متلقيًا يمتلك خبرة سينمائية وخلفية ثقافية خاصة، الكارثة أن ذلك المتلقي نفسه نجده قد أصبح ممتعضًا من تلك التجارب، ومن هنا لم تكن الأزمة بالضرورة في جودة هذه الأفلام، وإنما في المسافة التي اتسعت بين المتلقي المفترض، والمتلقي الفعلي داخل قاعة العرض وتصورات صناع الأفلام أنفسهم عما يبدعونه، ولذلك من المهم الرجوع لبداية الأزمة التي تفاقمت مع الوقت وصنعت حاجزًا بين الجمهور وصناع السينما المستقلة، بالإضافة أصلًا لطبيعة العصر نفسه والتي فرضت وجود أجيال جديدة لها ذوقياتها الخاصة وميولها في ظل المنصات وقنوات البث المتعددة وصولًا إلى المايكرودراما، وهو ما يزيد الأمور تعقيدًا. لذلك أصبح المهم في الأخير هو محاولة التسوية، لا مجرد الإحباط أو الخضوع أو التخلي عن الاستقلالية الفنية، بل التسوية ببساطة، وذلك بعدم تهميش الجمهور، واليقين بأن الفيلم يكتسب مصداقيته وحيويته واستدامته بسبب جمهوره المحلي في المقام الأول، المهم الوعي في الأخير أن التعبير الحر لا يعني بالضرورة الأنانية والغرق في الذات.

نستنتج أن أزمة السينما المصرية المستقلة ليست في كونها أكثر فنية أو أقل جماهيرية، بل أنها في كثير من الأحيان خاطبت متلقيًا لم يكن جالسًا أصلًا في قاعة العرض، وبين حرية الفنان وحق الجمهور لا يبدو الحل في التضحية بأحدهما، وإنما في العثور على اللغة المشتركة التي تسمح لهما بالالتقاء من جديد.


- نُشرت الدراسة  بمجلة الفيلم العدد ٣٠ بعنوان "بين السينما المصرية المستقلة والجمهور:

بحث في أسباب علاقة مضطربة".









أنت الان في اول موضوع
author-img
حسن سلامة، كاتب سيناريو وناقد ومبرمج سينمائي. درس السيناريو بالمعهد العالي للسينما. عضو الاتحاد الدولي لنقاد السينما (فيبريسي) وجمعية نقاد السينما المصريين. عمل مبرمجا لأفلام أمريكا اللاتينية بمهرجان القاهرة السينمائي الدولي بجانب عمله كعضو لجنة مشاهدة ومنسق للبرمجة ومنسق للمطبوعات.شارك كعضو لجنة تحكيم في عديد من الفعاليات كما عمل كمستشارا للسيناريو.

تعليقات