القائمة الرئيسية

الصفحات

تطور الفيلم ، أولى الحركات و ظهور ملامح الفن السابع

 


لقد قطعت السينما ، التي كانت تعتبر اختراعًا بلا مستقبل ، شوطًا طويلاً ؛ فمن الأفلام التي تبلغ مدتها دقيقة واحدة والتي تصور الحياة اليومية إلى الأفلام التي تدور حول التجارب البشرية عبر الزمان والمكان. إن هذه الرحلة أشبه برحلة تتضمن أفلامًا توسع الحياة بجاذبية رائعة للشكل الفني للحياة وتؤثر على الملايين ، وتتخطى حدود الوقت.




الأب الروحي للتقنية في السينما بين الأيديولوجيا و الإبتكار


من بين رواد السينما الذين لعبو دورًا أساسيًا في تطوير اللغة السينمائية هو المخرج الأمريكي دايفيد جريفيث.





إلى جانب تأثيره المباشر ، استكشف بأعماله إمكانيات السينما ، وألهم إلى جانب العديد من صناع الافلام ، الجيل القادم من صانعي الأفلام ، وشكلوا الأساس لأفلام اليوم. 


بعد إنتاج حوالي 500 فيلم قصير بين عامي 1908 و 1914 مع شركة Biography 

وهي شركة أمريكية حديثة التأسيس ، حاول جريفيث في عام 1915 أن يتبث

 ، من خلال فيلم "ولادة أمة

 -The Birth of a Nation"

 أن السينما لم تعد مجرد وسيلة ترفيه ، بل يمكن أن تحل محل الأدب للجمهور العادي ولها لغتها الخاصة ؛  وأنه يمكن كتابة التاريخ بالضوء والصورة ، وإن كان بالتزوير ، لأن الفيلم هو أيضا أول عمل عنصري في تاريخ السينما.

لكن الشركة رفضت أن تنتج افلاما طويلة ، بدعوى أنها لن تشهد نجاحاً . 

وبتعاونه مع صديقه بعد أن ترك  Biography و قرر أن ينتج لنفسه الفيلم الفارق بمسيرته  وانشئ مع صديقه شركة صغيرة أطلقا عليها اسم : 

 David W. Griffith Corp. & Epoch Producing Corporation

و جرب جريفيث مجموعة متنوعة من تقنيات سرد القصص ،  في "ولادة أمة" سنة 1915 ، وبعدها مع فيلم "عدم التسامح " سنة 1916.




أطلق عليه عشاق السينما آنذاك ألقابا عديدة ، لكن لقب  "أب التقنية في السينما" هو الأحق إلى جانب لقب "الرجل الذي ابتكر هوليوود" ، و "أول مؤلف روائي للسينما" ، و "شكسبير السينما" نظرا لتأثره بأدب العصور القديمة. 


منذ اليوم الذي أنهى فيه أهم أفلامه ، كان مكان جريفيث في تاريخ الفن موضوع الكثير من الجدل بين المهتمين بالسينما ، وكانت مصداقيته محل نقاش نقدي أكثر من أي فنان كبير في تاريخ السينما الحافل ، الحقيقة هي أن جريفيث نفسه كان شاملاً في الأساس من المتناقضات...

لكن عمل لجريفيث  "ولادة أمة" ،  الفيلم الذي ، على الرغم من كونه عنصريًا ، ويمكن اعتباره عملاً فاشيًا ، هو شهادة على حقيقة أن السينما لا ينبغي اختزالها في محتوى ، ولكن في شكل العمل الذي يقيّمه ويديمه. 


صورة لأحد أصحاب البشرة السمراء من فيلم مولد أمة



ساهم جريفيث أكثر من أي فنان آخر في إنشاء لغة سرد للسينما ، بعد أن كانت من الناحية الجمالية مجرد أداة مسلية لتصبح تعبيراً فنيّا كامل .

وكنقطة تحول في السينما الأمريكية والعالمية  

 "ولادة أمة" 

فتح بابا جديدا للسينما ، على الرغم من أن الأفلام الروائية تم إنتاجها في جميع أنحاء العالم حتى قبل إنتاج هذا الفيلم ، إلا أنه لم يحقق أي شخص على نطاق واسع هذا المستوى من العظمة والطموح المتمثل في "ولادة أمة" ؛ لم يطور أي منهم قوة السينما ، ولم يستطع أي منهم أن يكشف أن مستقبل السينما هو الأفلام الروائية. كان ذلك في وقت كانت فيه معظم الأفلام تزيد قليلاً عن عشرين دقيقة. 

بالاعتماد على إحساس سردي قوي ورؤية ملحمية ، أصبح الفيلم أول فيلم ضخم في هوليوود والسينما.




يعتبر جريفيث أبو السينما بسبب ابتكاراته العديدة ، بالفيلم كانت المرة الأولى التي يُبتكر فيها خاصية التقريب والتجميع ، وذلك عندما أراد جريفيث إظهار حزن الشخصية الرئيسية ، جعل الكاميرا أقرب إلى الوجه وبهذا استخدم التقريب لأول مرة ، وهذا ما لم يتم القيام به من قبله. 

لسوء الحظ ، وبعيدًا عن القوة التقنية ، يشوب الفيلم تحيز مزعج وعنصرية غير مألوفة ، ويجب أن يكون الجمهور على دراية بمحتوى وهدف هذا العمل.

يمكن اعتبار "ولادة أمة" من أهم الأفلام التي غيرت المواقف تجاه السينما ، وأولئك الذين اعتبروها هواية فجة ، أدركوا بعد صدور الفيلم ، أهمية وخطورة الوسط السينمائي.

بعد فيلم ولادة أمة بسنة ، أبهر جريفيث العالم بفيلم روائي  ثان ، مناقضًا فيلم "ولادة أمة" ، الذي تم انتقاده بشدة، وتم وصمُه بالعنصرية ، يمجد أفراد امريكا البيض على حساب السود المجرمين ، وأنهم السبب في الحرب الأهلية آنذاك ، الأمر يتعلق بفيلم "Intolerance" سنة 1916.

ربما يكون الفيلم بمثابة رسالة اعتذار أحس جريفيث بأنه مدين بتقديمها ، يرصد فيها جريفيث تبعيات عدم التسامح ونبذ الحب في أربعة حقب مختلفة تمثلت في ثلاثة أحداث فارقة في التاريخ :  سقوط بابل القديمة، صلب المسيح، مذبحة القديس، وبارثولوميو خلال عصر النهضة.  





أول حدث كان متمثلا في شاب محكوم عليه بالإعدام بتهمة قتل رفيقه، لم يكْتفي جريفيث في فيلمه بتقديم أربعة أحداث فقط بشكل متواتر، بل اعتمد جريفيث على تقنية جديدة كليًا في السرد، وهي السرد المتقطع  غير الخطي، فينتقل جريفيث بسهولة بين الأزمنة جاعلًا الأمر يبدو كأن الأحداث كلها تدور في زمن واحد، كأن التاريخ بأكمله هو لحظة آنية يعاني فيها الإنسان تبعيات عدم تسامحه مع الآخر ويرصُد بنفسه آثار كراهيته لكل مختلف عنه، كما أضاف جريفيث أيضًا مشهدًا متكررًا منفصلًا عن الأزمنة المذكورة، لأم تهز سرير طفلها الصغير ويقطع هذا المشهد الأحداث والأزمنة في كل مرة، ليصبح التاريخ نفسه متمثلًا في الأم، التي ترعى طفلها الصغير والذي يرمز إلى "الإنسانية" ، فالأم شاهد على تطور طفلها. 




 لم يكتف جريفيث بذلك بل استخدم الألوان وطوعها في خدمة سرديته، لينتقل بسلاسة بين الأزمنة، مع المحافظة






 على تصاعدها تدريجيًا في شكل متوازي، لينجح جريفيث في الأخير في تقديم رسالته؛ وهي أهمية التسامح والحب كضرورة ليعم العالم السلام. 




ويُشهد لجريفيث قدرته الفذة في محافظته على وحدة موضوعه، ولكن في نفس الوقت فإن ما يعيب الفيلم وهو وعظيته المباشرة، ومثاليته المبالغ فيها، لكن على المستوى التقني فالفيلم وصل إلى حد رائع من الإتقان، فمثلًا نرى التأثر الواضح بجريفيث متمثلًا في فيلم المدرعة بوتكيمون لسيرجى آيزنشتاين؛ مشهد سلالم أوديسا، والكلوز آب على الوجوه المذعورة، اللقطات الواسعة، والتحريك المتقن لمجاميع الممثلين، كل هذا كان لجريفيث السبق في رصده والتقاطه...


صورة مقربة لأحد الأوجه من فيلم عدم التسامح لجريفيث


وذهب بما قدمه في هذين الفيلمين إلى ما هو أبعد من القاموس التقليدي في عصره ، على الرغم من أن جريفيث لم يكن يعرف الكثير عن ابتكاراته ، على الأقل في صناعة هذه الأفلام.  كانت ابتكاراته مجرد نتائج غير مصاغة لمشاكل تم حلها في سياق العمل ، وليست نظريات مجردة ؛  لطالما كانت أساليب عمله في هذه العملية بديهية وتجريبية وليست ممنهجة.


حظيت أفلام جريفيث بشعبية كبيرة لدى مشاهدي شركة الإنتاج "Biography"  في ذلك الوقت ، وتم تقليدها على نطاق واسع من قبل صانعي الأفلام الآخرين.  وينطبق الشيء نفسه على أساليب الإنتاج ،  ليس هناك شك أيضًا في أنه فيما يتعلق بالتاريخ الاجتماعي ، فإن السمعة الجيدة أو السيئة لفيلميه (عدم التسامح وولادة أمة ) قد غيرت الطريقة التي ينظر بها الجميع للسينما ، من رسامي الرسوم المتحركة إلى السياسيين الوطنيين واقتصاديي وول ستريت ، إلى الصور المتحركة... من ناحية أخرى ، لم يتحرك جريفيث من فراغ ، لأنه في عصره كان هناك قانون شائع يدعى  "قانون 180 درجة" ؛  من الواضح أن هذا القانون لم يخترعه أي شخص بعينه ، ولكن من خلال التجربة والخطأ لمخرجين مثل جريفيث ، تم كسره وتطوير أساليب السرد.

 

 لا شك  أن جريفيث كان عبقريًا في السينما الروائية وكانت الرواية مصدر إلهامه كأول فنان سينمائي ، لكنه كان أيضًا ريفيًا ورومانسيًا ، على الرغم من تظاهره بالثقافة والمعرفة ، كان يميل دائمًا إلى أن يكون عاطفيًا و ميلودراميًا. 

 كان جريفيث أول سيد في تقنية الأفلام وأول شاعر سينمائي في نفس الوقت ، كان عنصريًا متعصبًا رأى التاريخ البشري في شكل ميلودراما بالأبيض والأسود من القرن التاسع عشر.  

المثير للتناقض هو أن إنسان القرن التاسع عشر وضع الأساس لشكل فني من القرن العشرين ، وهذا الخلط بين العصور تسبب في ارتباك في ذوقه وحكمه ، ويمكن رؤية كل هذا في أفلامه ؛ كان لديه تناقض آخر أصعب بقليل في تفسيره ، والذي يعود إلى طبيعة فن السينما ، عبقرية سينمائية مع العمق الضحل لأعماله.  

 ومع ذلك ، على الرغم من نظرته الضيقة للعالم ، لم يكن جريفيث منافقًا أبدًا ، ولكن بصفته فنانًا بارزًا ، كان ضعيفًا بشكل خطير في التفكير.

 كانت شهرة جريفيث بعد "ولادة أمة" ، والتي استمرت حتى عشرينيات القرن الماضي ، عظيمة جدًا لدرجة أنها خلقت نوعًا من جنون العظمة الذي شوه حكمته ، عندما وجد نفسه في منصب نبي وفيلسوف سينمائي ، لم يعد يعتبر نفسه  فنانًا عظيمًا فحسب.

من ناحية أخرى ، حقق إنجازًا كبيرًا في وقت قصير جدًا ولأنه لم يكن لديه الكثير من الثروة العلمية ، لم يستطع تحقيق التوازن مع تأثيرات أعماله أو شخصيته.  هذه الخسائر ، على الرغم من خطورتها ، كانت بسبب قدرته المحدودة. 

المفارقة هي أن أعظم إنجازات جريفيث وخلال حياة هذا الرجل البارع في القرن التاسع عشر ، كانت قادرة على تجاوز تأثيرات إلهاماته وأحكامه وأذواقه ، مما جعله أحد أعظم فناني القرن العشرين والسينما،يمكن القول أن جريفيث  أظهر عبقرية متفردة في تلك الحقبة من تاريخ السينما ، فهو الرجل الذي اكتشف ، لحّن ، واستخدم اللغة السردية للسينما ، حيث لا يزال يُحتفظ بهيبتها حيث لا تزال الحلول التي وجدها للهيكل السينمائي مستخدمة من قبل معظم المخرجين.

 ومع ذلك ، لم تكن انجازات جريفيث ممنهجة و تحليلية بشكل أساسي كما وضحنا أعلاه ، بل كانت مبتكرة وبديهية ، وعندما وصل عصر الابتكار إلى نهايته ولم يعد الحدس والارتجال يلعبان دورًا حيويًا في عملية صناعة الأفلام ، أُلقي بجريفيث في عالم الماضي واعتباره مجرد مرجع عظيم ؛ وفي زمانه مع المثقفين لم يكن له مكانة قوية عندما ظهرت عبقرية الألمان مستخدمين سلاح حركتهم التعبيرية التي اقتصرت آنذاك على الرسم والتصوير  في عالم السينما ، لندخل حقبة جديدة مثيرة للجدل والدهشة.


الانطباعية بين الرسم والتصوير انتهاءًا بالسينما


نشر المصور الانجليزي "Peter Henry Emerson” 

نظرية التصوير الطبيعي لطلاب الفن في عام 1890 ، والذي كان بمثابة دعوة للتأكيد على صور الطبيعة الاصلية الدقيقة وغير المعالجة.




افترضت هذه النظرية الفنية أن الصور يمكن أن تحتوي على رسائل رمزية أو استعارية تتجاوز مجرد توثيق بسيط للموضوع... مع تقدم التقنيات والمعدات ، بدأت فنون التصوير الفوتوغرافي والمسرح والسرد في الاندماج معًا ، كما فعلت أيضا مدارسهم الفكرية ، ونتيجة لذلك تطورت صناعة الأفلام كوسيلة فكرية وفنية بشكل أعمق .

كانت الحركة التي نتجت عن هذا الخليط الأولي لهذه الأفكار معا ، التي نشأت من فرنسا والتي ستنتشر في جميع أنحاء العالم ، تُعرف باسم الانطباعية ويشار إلى هذه الحركة أيضًا باسم حركة الأفلام الطليعية.

إن أقوى جوانب الانطباعية لم تخرج من تحت عباءتها الموجة الأولى من أفلام الرعب الاصلية فقط (على عكس أفلام الفانتازيا الممزوجة ببعض العناصر المرعبة التي كانت هي الرائجة عمومًا) ، بل ستلهم صانعي الأفلام الألمان لاتخاذ خطوات مهمة وولادة التعبيرية، والتي من شأنها أن تحمل المقياس المتوهج الذي ستتبعه كل أفلام الرعب في السينما العالمية إلى يومنا هذا...

ومع ذلك ، فإن الأفلام الانطباعية يصعب تجميعها معًا ، حيث لا يزال العديد من مؤرخي السينما والنقاد يناقشون ماهية الحركة ، والأفلام و المخرجين الذين ينتمون إليها ، أو ما إذا كانت حقًا حركة على الإطلاق.

تُعرَّف الانطباعية حاليًا بأنها نوع من صناعة الأفلام الطليعية الفرنسية والتي تأسست حوالي عام 1910  واستمرت حتى حوالي عام 1930 ؛ على الرغم من أنه لا تزال هناك أفلام تُصنع اليوم بتأثيرات انطباعية.



يمكن اعتبار فيلم The Mask of Horror للمخرج الفرنسي أبيل جانس في عام 1912 والذي كان أيضًا أحد أوائل أفلام الرعب الفرنسية على الإطلاق بداية للحركة  الانطباعية مع "La Folie du Docteur Tube” سنة  1915 لنفس المخرج ، إلى جانب أشهر مساهماته في الحركة  الانطباعية وهو فيلم La Roue سنة 1922 ، وتحفته الاكثر شهرة فالحركة بشكل عام والأمر يتعلق بفيلم "Napoléon” سنة 1927.


بوستر فيلم قناع الرعب


لكن رغم كل هذا فإن العديد من المؤرخين السينمائين يزعمون أن الانطباعية في السينما قد بدأت مع مجموعة مختلفة من المخرجين من إيطاليا

وذلك من خلال فيلم "Inferno” الذي على الرغم من أنه سيصدر في عام 1911 ، إلا أن إنتاجه بدأ سنة 1908 ، مستبقًا فالمهن السينمائية ، العديد من رواد السينما مثل   جريفيث نفسه ، وربما أيضًا مصدر إلهام للمبتكرين السينمائيين ، و أعمالهم التي استلهموها أيضًا بشكل مباشر من الأعمال الأدبية

سبق الفيلم العديد من المحاولات في تعديل نص القصة المتمثل في جحيم دانتي – الكوميديا الإلهية.

حيث في عام 1907 ، أصدرت  "Vitagraph” وهي شركة  أمريكية فيلما قصيرًا عن "فرانشيسكا دي ريميني"  مدته 16 دقيقة وهي شخصية رئيسية من جحيم دانتي، ولكنه كان مبني  على التمثيلات المسرحية أكثر من أحداث رواية دانتي و نص الرواية الكامل .

سنة 1909 في إيطاليا ، أصدرت شركة "Itala” فيلمًا قصيرًا إسمه   "Il Conte Ugolino”  يتحدث عن جزء القبض على الكونت أوجولينو ديلا غيرارديسكا والموكب الذي أدى به إلى سجنه الابدي.

في نفس السنة ، قررت شركة" SAFFI-Comerio “التي كان تم تشكيلها حديثًا ، والتي يرأسها صانع أفلام وثائقية  ومصور محترف يدعى "Luca Comerio” ، حيث  أخذ المبادرة كاملة واحتضن مشروع تكييف الجزء الاول من الرواية  "الجحيم".

على الرغم من أن المشروع كان شاقًا ، إلا أنه حقق بعض التقدم و كانت الشركة قادرة في أواخر عام 1909 على تقديم اقسام من ما تمكنت من إنشائه ، وعرض  تحت عنوان أولي"Saggi dell’Inferno dantesco” في أول مسابقة دولية للأفلام في ميلانو.

ومع الوقت ، أصبح الانتهاء من مشروع الفيلم في خطر بسبب الصعوبات المالية للشركة... و سرعان ما ظهر حل، بعد ان ترك Luca Comerio الشركة عن طيب خاطر لمواصلة إنتاج أفلامه الوثائقية و وتحولت شركته إلى شركة Milano Films ،  عندها تمكنت الشركة في مايو 1910 من تمويل الفيلم  وعاد مشروع "Inferno” الى طريقه إلى الإنجاز.

وتم إصداره في سنة 1911 ، بعد ست سنوات فقط من بدء صناعة الأفلام بشكل جدي في إيطاليا ، وفي الوقت الذي كانت فيه معظم الأفلام في كل مكان لا تزال عبارة عن  دقائق بإيطاليا ، شركة  ميلانو قررت أن تغامر بصنع فيلم مبني على الرواية الثقيلة لدانتي والتي من المعروف أنها  ستحتاج عالما خاصا من الصور ، تم نقل مثل هذا العمل الأدبي العظيم والمعقد إلى الفن الجديد للصورة .




الفيلم مقتبس بشكل أساسي من الكوميديا الإلهية لدانتي ألييغيري ، فيلم  Inferno هو نتيجة عمل ثلاثة مخرجين هم  فرانشيسكو بيرتوليني  وأدولفو بادوفان وجوزيبي دي ليغورو الذي غالبا ما يشار له بأنه المخرج الأساسي للفيلم.




نظرًا لفترة صنع الفيلم التي كان فيها الرعب البصري شائعا على نطاق واسع وبسهولة ، كان لدى فرانشيسكو بيرتوليني المسؤول عن تصميم مشاهد الفيلم ، مهمة لا يمكن الاستهانة بها و تتمثل في خلق حالة مزاجية مثيرة للخوف والقلق من شأنها أن تحدد الفيلم وكذلك الطريقة التي ستساعد في نشره.

على الرغم من أن الكوميديا الإلهية تعج بالمشاهد والاوصاف والأحداث المزعجة والمخيفة ، إلا أن برتوليني استوحى إلهامه في تصميم اماكن وجو الفيلم  استنادا لرسوم الكوميديا الإلهية التوضيحية ل Gustave Doré ، التي تم تداولها على نطاق واسع في إيطاليا من خلال طبعة موثوقة من الكوميديا الإلهية وتم نشرها في ستينيات القرن التاسع عشر بواسطة شركة Sonzogno.  وقد تم تكرار العديد منها في العديد من المشاهد في الفيلم  ، لهذا  كان من السهل التعرف على المشاهد من قبل معظم الناس وكانت مألوفة لكل جمهور الفليم ، هذا قد ساعد أيضًا ف جعل المشاهد العارية شبه الكاملة للأرواح الملعونة (الشخصيات )أمرًا لا يمكن الاعتراض عليه وغير مثير للجدل ، في الواقع يبدو أن المشاهد العارية  لم يلاحظها أي من النقاد أو الجماهير في ذلك الوقت.


صور من الفيلم ولوحات دوريه:











السينما الألمانية: التعبيرية في حقبة ڤايمار وتأثيرها على صناعة الافلام






التعبيرية هي مدرسة فنية تم تشكيلها في مواجهة الحركات الانطباعية والواقعية..

في الرسم التعبيري ، تأخذ العاطفة الأسبقية وتتفوق على الواقعية و مصطلح التعبيرية صاغه المؤرخ التشيكي أنتونين ماتوجيك في عام 1910 للتعبير عن الجانب المعاكس للانطباعية.

فالواقعية في مظهر العمل ، والمادة والدقة هي الأقل أهمية بالنسبة للفنانين الذين لا يريدون التعبير عن مشاعرهم بشكل واقعي ، ويدخلون عواطفهم  إلى العمل.   ولتحقيق أهدافهم ، ابتكر هؤلاء الفنانون ألوانًا حادة وجذابة للفرشاة وأشكال مشوهة خارج الإطار من خلال خلق عمق بدون أي ترتيب.

وتعتبر التعبيرية السينمائية واحدة من أولى المدارس وأكثرها جدية في تاريخ السينما ، والتي حددت لأول مرة هذه المبادئ والخصائص كأساس عام يوجد في معظم الأعمال التعبيرية تقريبًا. على سبيل المثال ، فإن البيئة والأجواء لمعظم الأعمال التعبيرية قوطية ، وغريبة ، ومرعبة.

في مناقشة الأجواء نستحضر الضوء ، والذي يعد من أهم السمات الرمزية لهذه المدرسة ، تكون الإضاءة شديدة الصعوبة ومليئة بالتباين ، والظلال حادة وقاسية ومكسورة ، وغالبًا ما تستخدم الأشكال الهندسية لتصميم الضوء والمشاهد.

فمثلًا نرى تركيزًا كبيرًا على رصد الأماكن الضيقة؛ في الشوارع، الأزقة والبيوت، فيجد الأبطال أنفسهم دوما محاصرين . أما المكياج المستخدم على وجوههم يكون  مبالغاً فيه للغاية ، بالطبع فإن هذا العالم يعكس بدوره العالم الداخلي لأشخاص مضطربة، فهو عالم معقد يزداد ضيقًا وخنقًا لأبطاله المسوخ ، لذلك نراه غريبًا في تركيبه على غير المعتاد ، هنا كان للفن التكعيبي دور كبير في التأثير على رواد التعبيرية.







طغت تلك الروح على أفلام التعبيرية ولم يقتصر اتفاق مخرجي الأفلام على كونهم متشائمين، ذوي أفكار سوداوية،  بل اشترك الرواد في عدة تيمات، تميزت تلك الأفلام شكلانيًا عن غيرها من أفلام تلك الحقبة...

 من ناحية أخرى ، ترك معظم كتاب السيناريو التعبيريون السيناريوهات مفتوحة واستخدموا قصصًا معقدة ومتشابكة. عادةً ما تمثل أعمال هذا الأسلوب العالم العقلي للأشخاص المجانين وروايات سابقة بأماكن غريبة وتتأثر في الغالب بالأدب القوطي. 

قبل الشروع في التعمق اكثر في التعبيرية وروادها و تحفها الخالدة ، لابد من الإشارة لتاريخ السينما الألمانية باعتبارها مهدًا للسينما التعبيرية. 

قبل الحرب العالمية الأولى ، كانت السينما الألمانية أقل تقدمًا من نظيراتها في فرنسا ، إيطاليا ، بريطانيا، والولايات المتحدة...

 على الرغم من أن الأخوين "سكلادانوفسكي"  قاما بعرض فيلم مقابل مبلغ مالي للجمهور في الأول من نوفمبر 1895 في "Wintergarten” برلين – وذلك بعد اختراعهم لجهاز عرض صور متحركة  يسمى "Bioscope”  وهي كلمة يونانية الأصل تعني "أن ترى الحياة" ،أي أن الأخوين الالمانيين سبقا الأخوين لوميير بشهور قبل عرض مقهى باريس من نفس السنة-  إلا أن صناعة السينما الألمانية لم تتطور إلا بعد خمسة عشر عامًا.  ربما كان أحد أسباب هذا النقص في التطور هو أن السينما في ألمانيا أصبحت المنبع الثقافي للأميين والمشردين والعاطلين عن العمل. 

خلال تلك السنوات ، أخذ المتعلمون والمثقفون موضوع السينما وصناعة الأفلام على محمل الجد .


الأخوة سكلادانوفسكي


ولعل أبرز الجهود كانت من نصيب أوسكار ميستر ، المخترع ورجل الأعمال والمخرج الألماني الذي لعب دورًا مهمًا في نظام الإنتاج السينمائي الألماني، و يعد والد السينما الالمانية ، حيث في سنة 1897 أنشأ استوديو صغير صنع فيه المئات من الأفلام والأحداث الترفيهية عالية الجودة نسبيًا بتقنيات أكثر تقدمًا نظرا لإمتلاك عائلته شركة للبصريات والمعدات البصرية. 



 وفي سنة 1903 ، استخدم ميستر الشاشة الكبيرة لأول مرة فالتاريخ ، وذلك من خلال أول عرض ألماني للأفلام الصوتية بمسرح أبولو ، برلين.  وكان أول مخرج يضيء مشاهده بالضوء الاصطناعي ، كما أنه جرب مزامنة الصوت مع الصورة ، وخلق محتوى جديدًا للسينما الألمانية المبكرة بين سنتي 1904 و 1908 من خلال إعداد "صورة مع صوت " وهي شكل من أشكال السينما السردية البدائية ، انضم لميستر نجوما مشهورين في الملاهي والأوبرا والباليه.

 في سنة 1909 ، أوسكار ميستر ذهب إلى أبعد من ذلك ، مع فيلم "Andreas Hofer” 

بالتعاون مع المخرج 

  Rudolf Biebrach 

، وبهذا تحول إلى صناعة الأفلام الروائية...

بهذا كرس أوسكار ميستر كل طاقته للسينما و كان له  إنجازات تاريخية أبرزها تقديم ممثلين ناشئين مثل هيني بورتن أميل جانينجز  وكونراد ڤايت ، الذين ارتقوا إلى مستوى نجوم سينما مشهورين ؛ إلى أن  أصبحت الشركة تحت سيطرة الحكومة الجديدة تحت اسم UFA ، حيث دمجت الحكومة العديد من معاهد الأفلام الصغيرة لتشكيل أفلام مؤيدة للحرب وشكلت شركة إدارية شاملة سميت 

( Universum Film Aktiengesellschaft ) 

واختصارها UFA 

كما أشرنا ، حظيت هذه الشركة بأكبر دعم مالي في ذلك الوقت ، وكان لديها أفضل المعدات والفنيين في العالم بعد هوليوود ، حتى أن هذه الفترة من السينما الألمانية تسمى العصر الذهبي الكلاسيكي لألمانيا.


شعار الشركة المنتجة لأفلام التعبيرية


وتعتبر العامل الرئيسي في إنتاج فن السينما بألمانيا. 

 وكثيرا ما يقال أن السينما الألمانية ولدت كشكل فني مع تأسيس شركة  UFA ، التي كان لديها أكبر وأوسع استوديو فردي في أوروبا قبل الحرب العالمية الثانية. و غالبًا ما يُقال أيضا أن UFA احتكرت السينما الألمانية في عشرينيات القرن الماضي ، ولكن في نهاية هذه العشرينيات عملت المنظمة كموزع أفلام للشركات الصغيرة أكثر من كونها منتجًا مستقلًا. 

لذا فإن أحد أسباب ظهور التعبيرية هو أن الأفلام القليلة التي أنتجتها UFA في تلك الفترة ، كلها تقريبًا من كلاسيكيات السينما أو العصر الذهبي لألمانيا. وكانت UFA مسؤولة بشكل شبه مباشر عن ولادة السينما الألمانية الجديدة  المرتبطة مباشرة بموجة ثورية من الحماسة الفكرية التي اجتاحت ألمانيا في بداية الحرب. 

و تم العثور على الشكل الرسمي للسينما التعبيرية في السينما الألمانية بعد الحرب العالمية ، و عندما هُزم الشعب الألماني في الحرب العالمية الأولى وشعر بالإهانة بقبوله معاهدة فرساي. 

باعتبارها أول حركة سينمائية تهتم بالذات كموضوع، فهي تعد أولى الحركات الطليعية التي اتسمت بذاتيتها المفرطة، لأنها كانت انعكاساً للمجتمع الألماني حينها؛ صراعاته، أفكاره ومشاعره. 

 ففي يناير من سنة 1919 تم اغتيال كل من "كارل ليبكنخت وروزا لوكسمبيرغ" وهم ثوار من اليسار الألماني المناهض للاشتراكية، وكانت تلك صدمة مفجعة للشارع الألماني، و ساد الجو العام نوع من الحزن واليأس، نتيجة للقمع حينها، وعليه انتشرت الجريمة في تلك الفترة في المجتمع الألماني وأدى ذلك النوع من الإحباط والتشوّه، تشوه في السلوك، وتخوف من الآخر ، أدى ذلك في النهاية إلى مجتمع ممسوخ ، ممزق ، وتلك كانت هي روح تيمة التعبيرية الألمانية في السينما ؛ كره مقيت للرؤية التفاؤلية  للعالم ، وعلى الجانب الآخر نوع يحتفي باليأس ، وكأنه نوع من التمجيد ، والرثاء أيضًا لذلك الإنسان الذي فقد ذاته في ظل حكومة ڤايمار ، ولذا سميت تلك الحقبة من صناعة السينما بجانب مسمى التعبيرية بحقبة ڤايمار ، نسبة إلى مدينة ڤايمار الألمانية، التي اجتمع فيها ممثلو الشعب لصياغة الدستور بعد هزيمة الألمان في الحرب.

  تسببت هذه الهزيمة الساحقة لألمانيا في الحرب كما أشرنا في رفض عدد كبير من المثقفين الألمان لماضيهم تمامًا ، وظهرت رغبة جديدة في التقدم والتجريبية والطليعية ، وتم إنشاء جمهورية ديمقراطية ليبرالية مركزها ڤايمار.


مدينة ڤايمار الألمانية


 ولأول مرة في تاريخ ألمانيا ، لفتت الماركسية انتباه المثقفين و أصبحت التعبيرية أسلوبًا فنيًا شائعًا ، وفي أوائل عام 1919 ، ألغى أعضاء البرلمان الشعبي التدقيق تمامًا. واختفت أيضًا القطع الأخيرة من مقاومة المثقفين للسينما ، واعتنق الفنانون الشباب المتطرفون السينما كوسيلة للتواصل مع الشعب.




في غضون ذلك ، شركة صغيرة تسمى  Decla Film ، والتي في عام 1919 تولت مهمة صنع سيناريو غير عادي من قبل اثنين من الكتاب الشباب وغير المعروفين ، كارل ماير وهانز يانوفيتز. و تم التعاقد مع ثلاثة رسامين تعبيريين مشهورين ، وهم هيرمان وورم ووالتر ريمان ووالتر روهريك لتصميم الفيلم ، والذين اقترحوا أن يتم تصويره بالأسلوب التعبيري ، والأمر يتعلق بفيلم المخرج 

روبرت وين

.”The cabinet of Dr. Caligari


 


حقق الفيلم نجاحًا كبيرًا، ليس محليًا فقط، بل في جميع أنحاء العالم، وكان فيلما  يجمع كل ميزات الفيلم  التعبيري تقريبا  ، بما في ذلك المكياج المبالغ فيه ، والديكورات الداخلية ، والأشكال المثلثية ، والإضاءة الشديدة عالية التباين ، بالإضافة إلى قصة متداخلة – قصة في قصة...

إن قصة فيلم كاليجاري هي من أوائل قصص السينما التي تعرض إلتباسًا، "Plot twist”  في نهاية الفيلم الشيء الذي  يجعل من نهايته مفتوحة، فينتهي الأمر بالمشاهد بأن يكون في حيرة من أمره، هنا يذوب الفارق بين الخير والشر، العقل والجنون، ولذلك فكلا من الالتباس والشك هما نقطتي تفرد الفيلم من حيث موضوعه، فالحكم النهائي على أي شخصية من شخصيات الفيلم ليس بالأمر بالسهل، حتى النهاية لا تحسم تلك المعضلة بل تزيد أمر الجزم والحكم النهائي صعوبة...  





يصف الناقد بول روتا فيلم روبرت وين ، بأنه عبارة عن نقطة نبيذ في محيط من الماء المالح، حتى أنه يعتبر فيلماً مهمّا كفيلم مولد أمة لجريفيث هو فيلم باهت مقارنة بالأطروحات التي وجدت بعيادة كاليجاري، كما يصنفه النقاد بأنه واحد من بين الفيلمين اللذان كان لهما التأثير الأكبر في صناعة السينما حتى يومنا هذا ، (الثاني هو فيلم المدرعة بوتكيمون لآيزنشتاين)..

وعلى ذكر الظروف السياسية في تلك الحقبة التي كانت عاملًا رئيسيًا لخروج الفيلم، فبعد نجاحه الجماهيري أكد المؤلفان (هانز وكارل) بأن السيناريو الذي كتباه كان في الأصل إدانة واضحة للسلطة المتمثلة في "كاليجاري" وتبعًا لذلك فإنهما ينزعانها منه في الأخير، ولكن كان للمخرج (روبرت وين) رأي آخر، فأضاف خيطا للقصة يجعل السلطة تعود لكاليجاري في الأخير، وفسرا ذلك بمثابة مناهضة للاستبداد، وانصياعًا لرغبة شركة الإنتاج والذوق الجماهيري، ولكن على العكس ربما تلك الإضافة من قبل وين هي التي جعلت الفيلم أكثر إلتباسًا وغموضًا وأعطت الفيلم مساحة أكبر للتأويل...






يستخدم الفيلم أسلوبًا متطرفًا لدرجة أنه ، وفقًا لأحد مصمميه ، هيرمان وارم ، "أصبحت صورة الفيلم فنًا رسوميًا" و أدى نجاح فيلم الدكتور كاليجاري إلى اندفاع صانعي الأفلام الرواد إلى المدرسة ، ووجدوها منصة جيدة لإنجاز أعمالهم.




لكن رغم أن فيلم "عيادة لدكتور كاليجاري" يعد البوابة الصريحة لعالم السينما التعبيرية ، فإنه ليس الأول من نوعه، بل يعتبر العديد من محللين تاريخ السينما  أن فيلم  "Student of Prague (1913)” هو أول مثال معروف للسينما التعبيرية. الفيلم الذي استغرق حوالي 40 دقيقة في ذلك الوقت (صدر لاحقًا في نسخته الحالية التي تبلغ مدتها 83 دقيقة) يروي قصة مقتبسة من قصص ألان بو وهي لطالب فقير من براغ أعطى صورته لشخصية غامضة مقابل الثروة والنجاح ؛ ولقد خلق هذا الشخص الغامض أيضًا صورة الطالب وأصبح رفيقًا شريرًا له. 



 ان "طالب براغ" هو منشئ السينما الفنية الغريبة العالمية بسبب أنه الرائد الاول في المدرسة التعبيرية الألمانية للسينما والقيم المحتملة التي كان يمتلكها كعمل مستقل.




لم يُنجز أي عمل مهم من هذا النوع من السينما بين عامي 1913 و 1920 ، وهي سنة نزول فيلم روبرت ڤين.

وبهذا بحلول 1920 

 أُعلنت السينما التعبيريّة كحركة سينمائية ذات صيت وحضور بارز.

بعد فيلم "عيادة الدكتور كاليجاري" ، وتأسيس المدرسة كحركة فنية سينمائية متفردة ، انضم إليها العديد من المخرجين مثل :

-F. W. Murnaw

-Paul Leni

-Fritz lang

 وظهرت العديد من الأعمال مثل:

 •(Faust,1926)

 • (Nosferatu,1922) 

 •(The last laugh,1924

 • (Raskolnikow 1923 )

 •(Golem,1920)

 •(Metropolis,1927)

 •(Faust,1926)


بكل هذه الأعمال كان الأبطال في حالة تيه، واغتراب، انفصام كامل، وذلك الاضطراب لا ينعكس على سلوكهم فحسب ، بل يمتد ليشمل العالم من حولهم ، ليبدو بكل ذلك التعقيد ، بجانب أن ذلك العالم الضيق يعكس بدوره عالم منتهي بلا ماهية، محكوم من قبل سلطة غاشمة، ويرجع الفضل لذلك الشكل الاحترافي الطليعي بالنسبة للسينما لهؤلاء التشكيليين الذين عملوا كمصممي ديكور في المسرح قبل السينما وهم ( هانز بولزيج وهانز دراير، هرمان وارم، والتر روهرج وأوتو هنت...) من ذلك يتبين أن ديكورات التعبيرية الألمانية ظهرت في المسرح قبل السينما، بالإضافة لوجود كتاب سيناريو متميزين مثل ما أشرنا "كارل ماير"  الذي كتب أفلاما عديدة  و هينريك جالين . 

كما تبرز الألوان بدورها لتصف بتطرفها مدى بشاعة ذلك العالم وتيه أبطاله، فيبدو اللون دوما غير مستقر، تعبر الظلال أيضًا عن مدي شعور هؤلاء الأبطال بالتمزق، بين رغباتهم المترسخة في اللاوعي والتي تنادي بالتحرر، وبين واقع مستمر في تكبيلهم وفرض قيوده عنوة، ويرجع ذلك لمدراء التصوير البارعين أمثال ( ويلي هاميستر :مصور كاليجاري، فريتز آرنو فاجنر: مصور نوسفيراتو وفيلم M لفريتز لانج)..

اشترك الرواد أيضًا في رؤيتهم لإنسان تلك الحقبة مثل فناني الرسم مع لوحاتهم، على أنه مجرد انسان مشوه ، وهو نتاج للقمع، ولذلك فهو فاقد لآدميته ووعيه، يتحرك ببطئ، وكأنه منساق لمصير مجهول، يتجلى ذلك في أفلام مثل (Nosferatu) لموريناو، (Metropolis) لفريتز لانج و(Golem) لبول فيجنر، حيث نرى شخصيات ممسوخة ،  دمى وآلات، مصاصين دماء ومجانين، ولم يكن ذلك مجرد تأثر أدبي وتفضيل لقصص المسوخ، كفرانكشتاين، دراكولا وقصص الأميرة والوحش، فلم يجد الرواد انعكاسا لتلك الحالة المزرية التي يعيشونها سوى في ذلك النوع من الأدب، ولذلك فالانتهاء بتلك الحالة هو نتاج طبيعي لما عانى منه المجتمع الألماني حينها، ولذلك على سبيل المثال نرى حالة من البارانويا تتجلى في فيلم 

The last laugh 

لموريناو،

 وفيلم  

(Nerves ,1919)

 الذي يسبق فيلم كاليجاري. 








 تلك البارانويا لا تعبر إلا عن تخوف من مستقبل مظلم، وهوس مهيمن، أما بالنظر لطبيعة تلك الأفلام ربما نجد تنبؤًا لما سيصير الأمر عليه لاحقًا، ففي فيلم مثل الدكتور كاليجاري ربما نرى تصورًا دقيقًا لمستقبل النازية، فالطبيب في الفيلم لا يختلف أبدًا عن نموذج آدولف هتلر، فهو مولع بالتحكم والسيطرة، وهو في النهاية عبارة عن مخبول، منفصم، ولم يكن الانفصام مقتصرًا على عيادة  كاليجري فقط بل وجد في أفلام مثل (M) لفريتز لانج، وتسرب أثره لأفلام مثل  (Raskolnikow) لروبرت وين المأخوذ عن رواية دوستويفسكي الجريمة والعقاب

من فيلم الجريمة والعقاب




  و (Faust) لموريناو المأخوذ عن رواية فاوست لجوته ( و المثير للانتباه في أفلام تلك الحقبة أنها ربما صُنعت بطريقة ما لإلهاء العامة عن إحباطهم، ككيفية للهروب من تلك المآسي، ولكن في النهاية تصبح بطريقة ما مرآة لذلك الواقع المقيت، وتنبؤ دقيق بمستقبل مظلم .. 


يمكن تقسيم حقبة ڤايمار السينمائية إلى أكثر من فترة، أهمها بالطبع فترة أوائل العشرينيات تزامنًا مع ظهور فيلم كاليجاري، ومع تدرج السنين نرى تغيرًا ملحوظًا في الأسلوب، والموضوعات..

فمثلًا يُلحظ ظهور مخرج مثل Ernest Lubitsch ومواضيعه التي تناولها، تركيزه على السينما التأريخية، وبعد نبوغه ينتقل لهوليوود ويتجه لصناعة أفلام أدق وصف لها هي أنها

 أمريكية بالكامل، ليحقق في أميركا نجاحاً مبهر ..

هنا لابد من ذكر أبرز شخصية في السينما الألمانية بعد فريتز لانج وهو فريدريك فيلهلم موريناو ، ظهر أيضًا من الحركة التعبيرية، وفيلمه ذو الأسلوب المميز سمفونية الرعب "Nosferatu (1921) “، هو فيلمه الأبرز والبداية لشهرته ، يعتبر البداية لتيمة الرعب في السينما ، وهو أحد الأعمال الأولى المقتبسة ، بشكل غير صريح، من رواية دراكولا للكاتب برام ستوكر الصادرة سنة1987.



الشيء الملفت في هذا الفيلم هو معالجته الطبيعية ، والتي تم تحقيقها  بشكل متقن ،ويبدو أن موريناو كان لديه ارتباط خاص بالمناظر الطبيعية والتقط معظم مشاهد الحياة الواقعية لنوسفيراتو في وسط أوروبا من خلال التصوير الرائع لفريتز أرنو واجنر الذي  كان متخصصًا في التصوير السينمائي الواقعي منخفض التباين بالأبيض والأسود مع خلفية رمادية. 

يعتبر فيلم "Nosferatu” بلا شك أحد أكثر الأفلام رعباً وظلاما على الإطلاق. 





وفي عام 1924 ، أخرج موريناو سيناريو كارل ماير لفيلم "The Last Laugh” يُطلق عليه أيضًا The Lowest Man أو The Last Man ، يعتبر هذا الفيلم أهم مثال على حركة Kammerspielfilm ، التي ولدت من قلب السينما التعبيريّة ، ولكن مع بعض الاختلافات ، لم يكن لهذه الأفلام عادة الجانب الذاتي للأعمال التعبيرية ؛ و عكس أعمال التعبيريين الأولى ، ركزت  على عدد قليل من الشخصيات ووضع المخرجون علم النفس الخاص بهم على أعمالهم وهي حركة تهدف إلى إلقاء نظرة ثاقبة على حياة إنسان  الطبقة الوسطى العادي الألماني ومن أهم رواد الحركة هو ماكس راينهارت ، و لوبو بيك ، و كارل ثيودور دراير و فريدريك فيلهلم موريناو . 

وأحدث فيلم "الضحكة الأخيرة " ثورة في السينما من حيث تصميم المسرح والإضاءة والكاميرا وبشكل عام بأسلوبه الجديد كليا من التعبيرية ، وهو بشكل عام فيلم يعتمد على كاميرا حرة حيث اعتبر كارل فرويند ، المصور السينمائي لهذا الفيلم ، ومعظم أعمال موريناو ، أن السبب الرئيسي لهذه الإبداعات بعد سنوات قليلة من وفاة موريناو هو فيلم الضحكة الأخيرة ، وهو  السبب الرئيسي الذي يجعلنا نعرف عبقرية موريناو. 



إن ضحكة موريناو الأخيرة كانت واحدة من أكثر الأعمال الثورية في تاريخ السينما الألمانية و الفيلم لا يتتبع أي سيناريو محدد.

 


هو قصة مأساة ألمانية كان من المفترض أن تنتهي بنهاية مريرة ، لكن شركة الإنتاج ضغطت على موريناو واجبرته على عمل نهاية سعيدة للفيلم من أجل أن يكون أكثر نجاحًا وبيعا . 




بعد إنتاج هذا الفيلم ، صنع موريناو فيلم Faust (1926) استنادًا إلى الأسطورة الشهيرة ورواية فاوست للكاتب  جوته ، والذي يدور حول رجل يبيع روحه للشيطان. 

 وصف النقاد الفيلم بأنه من أهم الأعمال في مناقشة فن الضلال والأرواح....




في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر ، تم تشكيل الرومانسية الألمانية من قبل الكتاب والشعراء مثل شيلر وجوته تحت تأثير فلسفة المثالية والفلاسفة مثل فيشته وشيلينج ، وخاصة هيجل ، لمواجهة التعصب العقلاني و الإنسانية بعد التنوير. وتتجلى ذروة هذا الفكر

في الاسطورة الألمانية الشعبية "فاوست" عندما يلجأ الإنسان مرة أخرى ، في عجز العلم ، إلى الميتافيزيقيا سواء بالدين أو عن طريق الخيال .  




 استخدم كريستوفر مارلو هذه القصة مرة في العصر الكلاسيكي ، وأنهاها جوته في العصر الرومانسي ، وأحياها موريناو فالعصر السينمائي التعبيري ، مع الحفاظ على سمات مسرحية جوته ، التي تحكي عن عالم عجوز ، يبرم اتفاقًا مع ميفيستو الشيطان لإبعاد الطاعون عن المدينة ، ثم يغريه بالسعي إلى الخلود و بعد أن أخضعه ، يجره  ميفيستو من مغامرة إلى أخرى حيث يوجد الشر فقط ...

 يعد فاوست-موريناو ، أحدث فيلم في ألمانيا عبارة عن لوحة من العصور الوسطى تتحرك بعدسة كاميرا ، جميع المشاهد ، على عكس الأعمال السابقة لموريناو ، تم صنعها في الاستوديو من تصميم روبرت هيرليت ووالتر روريج،  وأحد الجوانب التي لا تنسى في الفيلم هو أسلوب تصميم صورِه المظلمة التي تعكس الشر والظلمة، ومشهد المدينة تحت أجنحة الشيطان لا يمكن نسيانه أبدا...





 بعد عام من إنتاج الفيلم ، كتب كارل ماير سيناريو مبني على رواية "رحلة إلى تيلست"  من تأليف هيرمان سوديرمان، موريناو بناءً على هذه الرواية أسمى فيلمه "sunrise” وأخرجه سنة 1927.

 فيلم يعد من جميع النواحي قطعة فنية في مسيرة موريناو السينمائية وقد تم تذكره دائمًا على أنه أحد أفضل الأفلام الرومانسية في التاريخ، وجدير بالذكر أن الفيلم كان إنتاجًا أمريكيًا.. 


مرورًا بتلك التجارب، ونتيجة تدرج طبيعي يبدو فيلم


Metropolis

لفريتز لانج وكأنه ينتمي لزمن آخر



 بالطبع فإن تلك الرغبة كانت في البدء نابعة من

 UFA 

رغبة في مجابهة سوق السينما في العالم، ولذلك يبدو فيلم متروبولس على عكس أفلام التعبيرية، فيلم مكلف، شديد التقنية وله تطلعات أكبر، أما  الرغبة الثانية فكانت رغبة قومية نابعة من صميم الشعب الألماني نفسه، فبالنظر إلى الولايات المتحدة لم تكن ألمانيًا تضاهيها من ناحية التكنولوجيا والاقتصاد، ولا حتى في مجال السينما؛ آلات التصوير والمعدات، لكل ذلك يشار لفيلم متروبولس بأنه فيلم ينتمي لنهاية حقبة ڤايمار، ليس سياسيًا فقط لأنه قبل ظهور النازية بسنين معدودة، ولكن لاختلافه شكلا ومضمونا عن الفيلم التعبيري في بداية حقبة ڤايمار...




متروبولس لا يختلف كثيرًا في تصوره المبدئي عن إنسان المستقبل الذي تحول بفعل السلطة أو المجتمع لمسخ، هنا فقط تحل الآلة محل ذلك المسخ، إحلال الآلة محل المسخ هو مفارقة توضح الفارق بين تصور لانج عن المستقبل وتصور رواد الفترة الأولى من حقبة ڤايمار ( مورناو ووين) فتصور هؤلاء الرواد مبني على أدب القرن التاسع عشر، قصص الرعب القوطية والأساطير؛ بمعنى أنها رؤية مبنية أكثر على رصد التاريخ والماضي، ولكن لانج  يرى ذلك المسخ بعين واعية جيدًا لواقعها المعاش و عصر التقدم، الاختراعات والتكنولوجيا، ولذلك كان من الطبيعي إحلال الآلة، الواعية تماما محل ذلك المسخ...




متروبولس هي رواية خيال علمي كتبت عام 1925 بواسطة  (Thea von Harbou) وهي التي شاركت فريتز لانج كل مشاريعه الناجحة، ولم تكن سينما الخيال العلمي شائعة في ذلك الوقت، بعض المحاولات هنا وهناك، ربما أشهرها هو فيلم جورج ميلييه (رحلة للقمر) عام 1902، ولذلك يعد فيلم متروبولس طفرة في تلك الحقبة، ذو أثر ممتد حتى الآن، بالغ التأثير على أفلام مثل أوديسا الفضاء لستانلي كيوبريك، وبليد رانر لريدلي سكوت، والكثير من أفلام الخيال العلمي، هو بمثابة أب لسينما الخيال العلمي، فيلم ثوري على المستوى البصري والموضوعي، وجدير بالذكر أن الفيلم حينما تم توزيعه في أميركا فضلّت شركة بارامونت تقطيع الفيلم لتصبح مدته لا تتجاوز الساعتان، بحجة أن فيلم زائد عن الساعتان لن يكون محل ترحيب من قبل الجمهور، وبجانب تفرد الفيلم بكونه فيلم رائد في سينما الخيال العلمي ، هو أيضًا في حبكته الداخلية يتناول قضية العمال المحكومين من قبل سلطة رأسمالية، تستعبدهم وتستنزف طاقاتهم، بذلك يدعم الرؤية الاشتراكية القومية التي شاعت في العشرينيات..




ينطبق المثل كذلك على فيلم فريتز لانج

 (M) 

عام 1931




فهو مختلف عن الأفلام التعبيرية الأولى من حقبة ڤايمر، إلا أنه يتلاقى معهم في موضوعه، هو فيلم عن الجنون أيضًا؛ الانفصام للدقة، ولكنه بعيد كل البعد أن يكون معبرًا عن حالة عامة، فهو يبتعد عن حالة الشارع والمجتمع، ويعبر عن مأساة فردية، يتناول موضوع الانفصام بشكل موضوعي- واقعي أكثر، حتى فكرته الرئيسية وهي عن قاتل متسلسل، ربما تبدو فكرة حداثية مقارنة بما سبق من أفلام، وبالطبع فإن كون الفيلم ناطقًا هو كفيل بجعله مختلفًا كل الاختلاف عن ما سبقه، ولكن في النهاية فالفيلم يعكس حرفية صانع عبقري مثل لانج .


المخرج الألماني فريتز لانج






السينما الاسكندنافية بين الطبيعة والميتافيزيقيا





لقد نالت الدول الاسكندافية نصيبها من العروض السينمائية كغيرها من دول أوروبا، بداية من العام ١٨٩٦، حيث قُدم لهم أفلام كل من الأخوة لوميير والأخوة سكلادانوفسكي، في كل من النرويج والدينمارك والسويد ومن ثم فنلندا لينتهي الأمر بإلهام المصور الفنلندي

 "كارل اميل ستالبرج الفنلندي" بإنشاء أول دار عرض سينمائية في فنلندا عام 1904 باسم (Världen Runt) بالانجليزية

 (Around the world) 

ليكون أول فيلم فنلندي بعدها في العام 1907 هو فيلم (Salaviinanpolttajat ) الخارجون عن القانون من إخراج ستالبرج، ليبدأ بعدها ولعدة سنين مشاريع سينمائية أخرى في السينما الفنلندية كان نصفها من إنتاج ستالبرج، أما عن كل من السويدي (ديفيد فرناندزو) والنرويجي (رسموس هالست) فقد أسسا شركة انتاج مشتركة باسم ( بوجو يسميدن بيوجراف) أنتجت ما يقارب الخمسين فيلم، وكما هو متعارف فقد كانت فنلندا تابعة لروسيا قبل الحرب العالمية الأولى وبالتالي كان لروسيا السلطة في منع كل النشاط السينمائي حينها، لينتهي ذلك المنع بعد الثورة البلشفية في روسيا عام 1917، بعد إعلان فنلندا استقلالها، وتكون لفنلندا الحرية في صناعة السينما، ولكن لم يكن الإنتاج الفنلندي غزيرا، بل كان محدودا ومقتصرا على بعض التجارب المعدودة التي لا يذكر منها سوى فيلم باسم (أنا ليزا) عن قصة لتلوستوي، أما باقي الأفلام فقد كانت تقليدية، وسارت على نهج الأوائل، وهو سينما الحياة اليومية فلم تقدم جديد يذكر...

 بالمثل كانت النرويج فقد تأسست فيها أول شركة انتاج جادة في العام 1916، قبل ذلك العام تأسست عدة شركات انتاجية ولكن لم تتحل بالاستمرارية الكافية أو الأعمال الجادة... 

وبدأت السينما النرويجية بإثبات مكانتها مع بدايات العام 1920, فتم انتاج العديد من الأفلام بها مثل فيلم (Growth of the soil) عام 1921 المبني على رواية بنفس الإسم للكاتب النرويجي (كنوت هامسون) وللمخرج (Gunnar Sommerfeldt), وفيلم (Til sæters) عام 1924 للصحفي والمخرج Harry Ivarson والمبني على مسرحية بنفس الإسم للمؤلف النرويجي

 (Claus Pavels Riis)

والسبب الرئيسي لشهرة ذلك الفيلم حينها هو السمعة الجيدة لمسرحية كلاوس، التي استمر في عرضها على المسارح النرويجية ودوما ما كانت تلاقي قبولًا وترحيبًا، واقتصرت تلك الحقبة على أفلام معدودة جيدة مثل فيلم (laila) عام 1929 للمخرج George Schnéevoigt، الذي عمل قبل ذلك كمصور في فيلم

 (The Parson’s Widow)

للمخرج الدنماركي كارل ثيودور دراير عام 1920...


أما عن الدنمارك فتم افتتاح أول قاعة عرض سينمائية فيها في العام 1904, قبل ذلك بسنة وفي عام 1903 كان أول فيلم روائي دنماركي وهو فيلم (The execution) للمخرج Peter Elfelt...




في تلك الحقبة أيضًا تم إنشاء شركة الفيلم الدنماركي لتصبح بعد ذلك من أهم شركات الإنتاج السينمائية في العالم بأقدم ستوديو سينمائي تم انشاؤه عام 1906، وتنتشر بعدها بشكل أوسع شركات الأفلام الدنماركية، منتجة أفلام مهمة أثرت على السينما العالمية وقتها مثل فيلم 

( The white slave Trade)

للمخرج Alfred Cohn، وهو فيلم يتحدث عن الرذيلة بشكل صريح وقد كان الفيلم الأول من نوعه في تناول تلك المواضيع، وفيلم 

Dr. Jekyll and Mr. Hyde

عام 1910 للمخرج 

Agust blom...

 وكان المخرج أوجست بلوم من الرواد المتميزين في تلك الحقبة وتجلت موهبته في أفلام أخرى مثل 

The end of the world, In the prime of life, the right of youth ...

 بلوم هو من أوائل من طوعوا الإضاءة لخدمة الفيلم بشكل جيد عن طريق التلاعب بها، فمثلا كثرة الانعكاسات والظلال أعطوا للمشاهد نوع مختلف من الإثارة، يوحي بالتوتر والقلق، وكان ذلك مناسبا لأفلام الجريمة حينها، حتى رواد التعبيرية استلهموا من ألاعيبه في استخدام الأضواء والظلال، وشارك أيضًا في إخراج فيلم 

(Sealed Orders)

عام 1914 مع المخرج 

(Benjamin Christensen)

ولقد كان لكل من بنيامين كريستينسن وأوجست بلوم طرق مختلفة في التصوير، فمثلًا الأبواب والمصاعد يتم تصويرها من الداخل وليس من المخارج كما هو متعارف حينها، الأضواء والانعكاسات وتطويع المرايا، كل ذلك كان مختلفًا، حتى اتخذت السينما الدنماركية شكلًا جديدًا، أكثر تقنية وحرفية، وغرائبية على أيدي المخرج الدنماركي (كارل ثيودور دراير)، ولقد اشتهر دراير بفيلم 

The Passion of Joan of Arc




عام 1928، وحتى الآن يظل فيلم آلام جان دارك لدراير تحفة من تحف السينما العالمية، ومن العلامات الأيقونية للفيلم الصامت.



 


في السويد تم انشاء شركة الإنتاج (سفنسك فيلمندستري) وكانت دمج بين شركتي ماجنوسون وسكانديا، التي تم تأسيسهم على أيدي بعض رجال الأعمال والمخرجين المسرحيين، والمصورين، أبرزهم كانت المخرجة

 (Anna Hofman-Uddgren) 

وكانت آنا هي أول مخرجة سينمائية اسكندنافية، وتولت بدورها مهمة أفلمة مسرحيات المؤلف المسرحي أوجست سترنبرج. 

المخرجة الاسكندنافية آنا هوفمان



وبالطبع كانت المخرجة الفرنسية "Alice Guy-Blaché” تجربة مشجعة لغيرها من النساء، فكانت أليس أول مخرجة عرفتها السينما، وكانت بمثابة مفتاح دخول النساء لعالم السينما...



ساعد أيضًا في لمعان اسم شركة الانتاج كل من المخرج

 (Victor Sjöström) 

الذي سيبرز اسمه فيما بعد كأنجح مخرجي أوروبا وأكثرهم تأثيرًا، والمخرجان

 (Georg af Klercker, Mauritz Stiller)


وبرز اسم تلك الشركة أكثر مع حلول عام 1920، وقد ساعد موقف السويد الحيادي أثناء الحرب العالمية الأولى في سهولة انتشار تلك الأفلام، حيث كانت بعض الدول الاسكندنافية تواجه صعوبة في الترويج لأفلامها كفنلندا والدنمارك، وبالطبع كان الفضل في نجاح تلك الأفلام هو إبداع وتنوع كل من سيستروم وستيلر وكليركر، فكان ستيلر يتميز بحبه للتهكم، النقد المجتمعي الساخر، معضلات العلاقات بين الجنسين وماهية العاطفة ولم تكن تلك التيمة من الأفكار منتشرة في ذلك الحين، وكان كيلركر مهتم بالواقعية المجتمعية وبإعادة تقديم تلك التيمة التي قدمت من قبل في الدنمارك على يد Alfred Cohn وهي سينما (الإثارة) كما يحب البعض تلقيبها، أما سيستروم فكان له اتجاه آخر، أخذ في التطور مع مرور السنين. 

 

مع كل اعمال وتطورات  السنيما الاسكندنافية  ظهرت حركة مثيرة للاهتمام والجدل  تقدس الطبيعة والماورائيات سميت بالميتافيزيا الاسكندنافية. هذه الحركة ، التي قد تكون غريبة بعض الشيء، من السينما الاسكندنافية في القرن العشرين متجذرة في الأساطير الشعبية والدينية.

 اذا أردنا أن نحلل المفهوم  فهي لا تعني الفلسفة الميتافيزيقية ما قبل سقراط وما بعد أرسطو ، ولكنها  تقليد لفلسفة تنتقد العقلانية و التنوير ، وتعبير عن  وجهات النظر حول الطبيعة عبر الأزمنة. 

 يرى المرء الميتافيزيقيا في الإيمان والدين ، والآخر يرى الميتافيزيقيا ضد الدين في العودة إلى الأسطورة والخيال.  لكن الواضح أن الفلاسفة الوجوديين وجدوا الإنسان المعاصر محبطًا من أوهام الطبيعة وجعلتهم غير قادرين على فهم الميتافيزيقيا! و لطالما كانت هذه الفكرة حاضرة عند رواد الفن شمال أوروبا من هنريك إبسن إلى كنوت هامبسون  في الأدب  واستمرت في الظهور في السينما ، حيث  كانت جذور الثرات والأساطير الأصيلة والثقافة الغريبة  في أعمال السويدي فيكتور شيستروم والمخاوف الدينية للدنماركي كارل ثيودور دراير  وغيرهم من الرو توضح هذا التيار الفكري في السينما الاسكندنافية. 

يمكن اعتبار العديد من صناع الافلام الاسكندنافيين ضمن هذه الحركة ولعل أبرزهم 

كارل ثيودور دراير  وخاصة بفيلمه 

Ordet   1955



أورديه هو أفضل فيلم فيلم لدراير بلا شك من حيث التناول والموضوع فهو فيلم سابق لزمنه، فيلم ناضج كأدق وصف، وربما بشكل ما هو امتداد أيضًا لأفلام مثل 



Day of wrath 1943 ، Vampyr 1932

ولكنه أكثر هدوءًا...

إن فيلم 

Vampyr 




متشابه كثيرا مع نهج أفلام التعبيرية الألمانية، من حيث طريقة التصوير، الظلال والأضواء والأجواء، حتى الموضوع فهو يقترب كثيرا من أفلام تلك الحركة، الاختلاف يكمن في البيئة التي اختارها دراير موضوعًا لفيلمه، وهي بيئة ريفية وبدائية أكثر منها حضارية، فالتعبيرية في النهاية كانت راصدة للمدينة أكثر، تهتم بالأزقة ومداخل المباني والسلالم الخلفية، يمكن القول أن ذلك الفارق البسيط هو المفارقة بين أفلام التعبيرية الألمانية، وبين أفلام الميتافيزيقا الاسكندنافية ، فهي سينما تهتم أكثر بالعالم الآخر، بالماورائيات، ترصد الطبيعة وغرابتها، سوداوية وترصد الموت أكثر من الحياة. 



 

يعتبر السويدي فيكتور سيستروم من اهم رواد فالحركة ان لم الاهم ،  فقد كان له اتجاه آخر، أخذ في التطور مع مرور السنين ليبدأ  أسلوبه السينمائي بالظهور في العام 1917 مع فيلم 

"A man there was”



 وكان فيلم "الرجل الذي كان" المقتبس عن قصيدة بنفس الاسم للكاتب النرويجي هنريك ابسن، هو بمثابة إعلان عن بداية مخرج متفرد وهو ڤيكتور سيستروم، حيث يرصد الفيلم دواخل وصراعات البطل الرئيسي، الشعور بالمنفى والعزلة، هنا رصد سيستروم الصراع البطني والأخلاقي لبطله، حتى الطبيعة بمفرداتها كانت تعبر عن ذلك الصراع، وبشكل ما يمكن القول أن فيلم الرجل الذي كان هو أول فيلم رسخ مفهوم الميتافيزيقا الاسكندنافية، نتيجة المزج بين مفردات الطبيعة والصراع الداخلي للشخصية


https://youtu.be/0rLBxYx0HbU



ويتجلى ذلك المزيج بشكل أكبر في فيلمه 

Outlaw and his wife...




في هذا الفيلم ، يصور فيكتور شيستروم جمال ورعب الهواء الطلق والطبيعة البشرية ،  تدور القصة حول متمرد  يحقق الخلاص والمأساة بمحاولة جاهدة للعيش ،  يسافر البطل الذي يلعبه فيكتور شستروم نفسه من المدينة إلى الجبال ليروي قصته مع الطبيعة ككل أعماله. 

شهد الفيلم العديد من اللحظات الصادمة التي جعلت المشاهد يتابع مشاهدته حتى اللحظة الأخيرة. 

بذل  شيستروم قصارى جهده لتصوير موضوعات مثل الحب والفقر والبؤس بشكل جميل  للمشاهد ، وكانت نتيجة جهود  أن الفيلم أصبح في النهاية أحد أفضل الأفلام الصامتة في تاريخ السينما.


أما عن فيلمه The Phantom Carriage 

عام 1921






 فيمكن القول أنه التجلي الصارخ للموجة الاسكندافية وذروة السينما السويدية، ويمتد تأثير تلك التجربة لكبار المخرجين مثل المخرج الأمريكي ستانلي كيوبريك، وإنجمار بيرجمان المخرج السويدي، فكان فيلم عربة الأشباح هو فيلم يمكن بالكامل في عالم ما ورائي، بعد الموت، يناقش فكرة الندم واستحالة الرجوع، وينجح الفيلم في التلاعب بالمُشاهد، ليكون الشعور المنبثق منه هو القلق والتوتر والرثاء لحال البطل...




وبعد النجاح الكبير لمخرجين مثل شيستروم وستيلر وذياع صيتهم في دول اسكندنافيا وأوروبا، تلقوا دعوات للعمل بهوليود كأقرانهم في باقي دول أوروبا، ككارل دراير وفريتز لانج ومورناو وغيرهم الكثيرين، تبعا لذلك كان فيلم 

"He who get slapped” 

عام 1924 



وقد كان أول فيلم لشيستروم في هوليوود، والفيلم في موضوعه هو فيلم سابق لزمانه، حيث يوجه شيستروم نقد مجتمعي شديد السخرية، ليس لحيز مجتمعي معين فقط، بل هو سخرية من سياسة العالم أجمع، فيظهر في الفيلم مجموعة من المهرجين يتحكمون في مصير الأرض تارة،  وتارة أخرى مهرج يقوم باللعب بمجسم لكوكب الأرض...




ونجح سيستروم أيضًا في توثيق اسمه بهوليوود

 بفيلمه The wind عام 1929 حيث  يؤكد على تأثير العناصر الطبيعية ، خاصة الريح  على شخصياته . 

ونرى ذلك بوضوح في لقطات الطبيعة والرياح التي تم التقاطها في الصحراء حيث تجعل المشاهد ينغمس في جو الفيلم  وايضا نشاهد في افتتاحية الفيلم ، مشهد نزول جيش من القطار يتفاجئ بهجوم عاصفة ، وهذا  يؤكد على التصوير الواقعي للظواهر الطبيعية وردود الفعل النفسية للبشحصية الرئيسية ،ولكن كل هذا  بهدوء و أسلوب شيستروم و ببطء شديد...

 وأخيراً يصل الفيلم إلى نهاية سعيدة تماشياً مع سينما هوليوود وأهداف الشركة المنتجة ، رغم أنه في الرواية الأصلية للكاتب سكاربارو فإن الشخصية الرئيسية تنتهي بنهاية مأساوية ، وتخضع لحكم القدر.




 بعد فيلم الريح عاد شيستروم من امريكا بعد أن دخل الصوت عالم السينما ، حيث فشل في مواكبة السينما الناطقة ؛ ليقوم بصنع أخر أعماله وهما فيلمين في كل من  السويد وإنجلترا. 

ليقرر العودة لأول شغف له وهو التمثيل ، حيث  مثل في 19 فيلما مع عدة مخرجين أوروبيين ولعل أشهر أدواره كانت مع انجمار بيرجمان في شركة سفنسك فيلم اندستري حيث عمل أيضا  كمستشار فني مع الشركة. 

واخر دور بارز لشيستروم في السينما كان في فيلم بيرجمان "الفراولة البرية" سنة 1957 ، وهو فيلم يمكن أن يعد تكريما لفيلم شيستروم  عربة الاشباح  سيرة ذاتية مصورة لأفكاره عن الأحلام وعن أشكال فشل البشرية وتعبيرا عن انبهاره الدائم  بالطبيعة في تشكيل المشاعر الإنسانية.


فيكتور شيستروم من فيلم التوت البري لبيرجمان



كان هؤلاء الرواد الأوروبيين بجانب جريفيث  هم الذين منحوا الفيلم والسينما مكانة فنية وقدموا للسينما شيئًا مساويًا للموسيقى والأدب والمسرح واعطوه شخصية جديدة. لقد وجدوا بشكل طبيعي الأدوات والأساليب الصحيحة لتأسيس نقد سينمائي مستقل 

وبهذه الطريقة ، اقتبست السينما كأنها رواية أو مسرحية من قبل الحكومات والشعوب وأصبحت موضوع نقاش يومي ؛ واعتمدت مجموعة من المثقفين والنخبة السينما كإحدى هواياتهم.

من بين هذه الحكومات ، الحكومة السوفييتية التي بقيادة لينين بعد الثورة البلشفية ، أدركت الآثار المباشرة للسينما على الشعوب، وقدمت السينما باعتبارها أهم فن لثورتها ، وظهر جيل جديد من صانعي الأفلام السوفييتية ، وهي إحدى أهم الفترات في تاريخ السينما.



شارك في كتابته وتحريره: كوثر المنصور بالله


المصادر 

 

- موسوعة تاريخ السينما المجلد الأول- السينما الصامتة: جيوفري نويل سميث، ترجمة مجاهد عبد المنعم


-المدارس الجمالية في السينما لجي انبال، ترجمة مي التلمساني

-السينما التعبيرية الألمانية ل إيان روبرتس، ترجمة يزن الحاج


- The Story of Film: An Odyssey (2011) Part 1, 2 directed by Mark Cousins


-A Companion to D. W. Griffith, written by David Wark


- D.W. Griffith's The Birth of a Nation: A History of the Most Controversial Motion Picture of All Time, written  by Melvyn Stokes


- From Caligari to Hitler: A Psychological History of the German Film, written by  Siegfried Kracauer


- Expressionism in the Cinema, written  by Olaf Bril, Gary D. Rhodes


- The Haunted Screen: Expressionism in the German Cinema and the Influence of Max Reinhardt, written by 

 Lotte H. Eisner, Roger Greaves


















تعليقات